فؤاد أبو حجلة
أين الجاسوس عدنان ياسين؟
سنوات كثيرة مضت على كشف واعتقال الجاسوس عدنان ياسين الذي كدنا أن ننساه لولا أن ذكرنا بقصته محمود الزهار في معرض هجومه على سفراء السلطة الفلسطينية في الخارج.
تذكرناه أيضاً بعد اغتيال الشهيد عمر النايف داخل السفارة الفلسطينية في صوفيا، وبعد الحديث عن شبهات تورط طرف في السفارة في تصفية أو تسهيل تصفية الشهيد الذي كان لجأ إلى السفارة للاحتماء بها من ملاحقة جهاز الموساد الإسرائيلي.
لكن الذين تذكروا عدنان ياسين لا يستطيعون الجزم بمصيره ويعجزون عن تحديد مكان إقامته خاصة وأن السلطة المعنية بمصيره وهي السلطة الفلسطينية لم تصدر تصريحاً واحداً يبدد الغموض حول مصير هذا الجاسوس الذي اختفى فجأة.. خرج من السجن، وغاب عن الأخبار، وكأنه كان متهماً ومداناً في قضية اختلاس!
ربما كان الغموض هو العنصر الأبرز في قضية ياسين الذي كان يعمل في مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في تونس عندما كشف الأمن التونسي ارتباطه بالموساد في العام 1993، أي في زمن مفاوضات أوسلو والاتصالات السرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي انتهت بتوقيع اتفاق أوسلو المشؤوم.
قيل وقتئذ إن الجاسوس كان يعمل في مكتب محمود عباس (أبو مازن) مهندس مفاوضات أوسلو، وقد تمكن من زرع أجهزة تسجيل وتنصت في مكتب عباس، وذلك بوضع هذه الأجهزة في كرسي ولمبة إنارة أهداهما لعباس الذي كان يعاني من آلام في عظام الظهر، وكان يشتكي من أن كرسيه غير مريح. وقيل أيضاً إن الجاسوس كان يعمل في سفارة فلسطين في تونس نائباً للسفير في ذلك الوقت حكم بلعاوي، لكن بلعاوي نفى ذلك.
قيل أيضاً إنه أودع في سجن تونسي بعد اعتقاله والتحقيق معه، وقد دفعني فضولي الصحفي إلى زيارة تونس في ديسمبر 1995 للحصول على قصة صحفية تكشف ما كان مخبوءا من تفاصيل دور عدنان ياسين ومدى خطورة المعلومات التي قدمها للموساد.
في تلك الزيارة التقيت أبو مازن في مكتبه، وكان متحفظاً جداً في الرد على أسئلتي حول قضية الجاسوس، بل إنه حاول التقليل من أهمية الموضوع ونصحني بالتركيز على موضوع التسوية السلمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي "بدلاً من الاهتمام بالمواضيع الصغيرة".
حكم بلعاوي لم يكن أيضاً متحمساً للحديث في الموضوع، وعندما التقيته في مكتبه في السفارة اكتفى بالتأكيد على أن ياسين كان موظفاً صغيراً، وأشار بيده إلى غرفة صغيرة متواضعة التأثيث في آخر الممر قال إنها كانت مكتباً لياسين في السفارة. وأذكر أن بلعاوي كان حريصاً على التأكيد لي بأن الجاسوس لم يكن يدخل مكتب السفير وأنه، من مكتبه الصغير في آخر الممر، لا يستطيع رؤية الزائرين لمكتب السفير ولا سماع ما يقولون.
التقيت في تلك الزيارة أيضاً أحمد قريع (أبو علاء)، وسألته عن قصة الجاسوس المزروع في مكاتب عباس وبلعاوي، فأخبرني أنه لا يعرف من التفاصيل أكثر مما أعرف أنا، لأنه مثلي، علم بالقصة من وسائل الإعلام.
بالطبع، كان مستحيلاً تمكيني من مقابلة ياسين وإجراء حوار معه في السجن، وقيل لي وقتها إن السلطات التونسية هي صاحبة القرار في هذا الأمر وإن هذه السلطات لا تسمح بإجراء اللقاءات الصحفية مع جاسوس معتقل.
بعد خمسة أيام، عدت من تونس كما جئت إليها، بلا أي معلومة مهمة أو ذات قيمة حول طبيعة الدور الذي لعبه عدنان ياسين وقيمة المعلومات التي قدمها للموساد.
وفي السنوات الماضية حاولت البحث والتقصي من خلال القليل المنشور عن قصة هذا الجاسوس المختفي، فقرأت أنه انتقل من السجن التونسي إلى سجن في اليمن قبل أن يستقر به المقام في سجن جزائري قضى فيه الفترة التي سبقت الإفراج عنه وخروجه من المنطقة ليستقر في السويد كلاجئ سياسي. وهناك رواية أخرى تقول إنه يعيش في إحدى دول أوروبا الشرقية.
كيف حدث ذلك؟
تقول الروايات إن السلطة الفلسطينية، وبقرار من محمود عباس هي التي ساهمت في الإفراج عنه، وذلك عندما كان عباس رئيساً للحكومة، ويقول الزهار إن السلطة منحت ياسين جواز سفر دبلوماسياً وقدمت له مساعدة مالية!
لا يمكن لأحد التوثق من صحة ادعاء الزهار، لكن الأمر يظل مثيراً ومحيراً، كما يظل الغموض محيطاً بقصة ياسين وطبيعة دوره، ومدى تورط موظف في كادر السلطة في تسهيل مهمات الموساد.
ويظل التساؤل المشروع قائماً أيضاً حول احتمال وجود ياسين آخر في سفارة فلسطين في صوفيا، خاصة وأن "التسامح" صفة ملازمة للسلطة في رام الله ونظيرتها في غزة، فقد سبق وأن استقبل اسماعيل هنية رئيس حكومة حماس في مكتبه في غزة مجرم الحرب انطوان زهرة الذي كان أحد "أبطال" مجزرة صبرا وشاتيلا.
سيظل التساؤل قائما حتى يكشف الموساد ما يريد كشفه من تفاصيل.. وسننتظر.