نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 12 أغسطس (آب)، تحت عنوان "الصبر".

وتناولت الخطبة الحديث عن فوائد وفضائل الصبر. وأشارت إلى أن الله تعالى جعل أجر الصابرين بغير حساب، فلا نهاية له ولا مقدار، كما انه خلق عظيم، وسلوك كريم اتصف به الأنبياء عليهم السلام فكانوا أهل صبر وجلد، ووطنوا أنفسهم عليه، وقدموا نماذج فريدة فيه.

وفي ما يلي نص الخطبة:

إن الصبر مفتاح الأمور، وسر نجاحها، وهو من أعظم الخصال، رغب الله تعالى فيه، فقال سبحانه:( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين). والصبر أفضل عطايا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر".

أجر الصابرين
وجعل الله تعالى أجر الصابرين بغير حساب، فلا نهاية له ولا مقدار، فقال عز وجل:( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). والصبور اسم من أسماء الله تعالى, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندا، ويجعلون له ولدا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم". والصابرون هم عباد الرحمن، وأهل الإحسان، مدحهم الله عز وجل بذلك فقال سبحانه:( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين). ولأهمية الصبر قرنه الله تعالى بالصلاة فقال سبحانه:( واستعينوا بالصبر والصلاة).

والصبر خلق عظيم, وسلوك كريم نمارسه, وقد اتصف به الأنبياء عليهم السلام فكانوا أهل صبر وجلد، ووطنوا أنفسهم عليه، وقدموا نماذج فريدة في الصبر. قال تعالى:( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون). فهذا نبي الله يعقوب صبر على فقد ابنيه يوسف وأخيه عليهم السلام وقال:( فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا).

صبر النبيون
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر النبيون من قبله، فقال الله جل جلاله:( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم). فكان عليه الصلاة والسلام مثالا للصبر والتحمل، قال صلى الله عليه وسلم "لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال".

لماذا نصبر يا عباد الله: لأن الصبر تحصل به الإنجازات, وتبنى به الأوطان, والناجح يحتاج الصبر في سعيه, والموظف في عمله, والمريض في شكواه، والمبتلى في بلواه، والأب في تربية أبنائه، والأم مع أولادها, والزوجة مع زوجها، والمدير مع موظفيه، والرجل مع عماله، والمعلم مع طلابه, والطالب في اجتهاده، والمثابر في تحصيله, والسائق في طريقه، وغيرهم، فالصبر هو منهج عملي وأسلوب حياة، وعاقبة الصبر كلها خير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له".

خلق مكتسب
أيها الصابرون: إن الصبر خلق مكتسب، ويمكن تقويته لدى كل واحد منا, فإذا عود المسلم نفسه على التحمل وصبرها، نال العون من الله سبحانه على ذلك, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ومن يتصبر يصبره الله". أي: من درب نفسه على الصبر مرة بعد أخرى منحه الله تعالى إياه حتى يصبح طبيعة له.

وإن صعوبات الحياة يمكن لنا أن نتحكم فيها بالتؤدة والصبر، وعدم الاستعجال، وقد قيل: في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة. فإن كثيراً ممن فقدوا الصبر ولم يتحلوا به فاتهم الخير, ووقعوا فيما لا تحمد عقباه, وقد قال الشاعر "قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل".

وما بلغ الناجحون العلياء، ولا وصلوا إلى المجد؛ إلا بعد أن كان الصبر خلقهم، والتحمل رفيقهم, والمثابرة طريقهم، فنالوا مرادهم، ووصلوا إلى غاياتهم، وحققوا أهدافهم، قال أحد العلماء: ما نال نبي ولا غيره من عظيم الخير إلا بالصبر.

عباد الله: أين يكون الصبر؟ يكون الصبر عند مخالطة الناس والتعامل معهم في الحياة اليومية, لأن ذلك يحتاج إلى لطف وهدوء, وترك الغضب، وعدم الانفعال، وكذا عند تطبيق القانون، والتزام النظام، وانتظار الدور وعدم تجاوزه، واحترام حقوق الآخرين، ومنها الصبر على أداء الواجبات، وغيرها من المواضع التي يختبر الصبر عندها ويعرف، فإن تحمله فيه أجر عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً". فمن رضي بما قدره الله عز وجل له، ولم يعترض عليه، ولم يشتك إلا إليه؛ فهو الصابر الحقيقي.

فاللهم ارزقنا الصبر والرضا، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، ووفقنا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

الخطبة الثانية
أما بعد: فيا أيها المصلون، إن أول ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وأن نعلم أن الصبر أجره كريم، وجزاؤه عظيم، فهو يكسب صاحبه راحة في نفسه, واطمئنانا في قلبه, ويثمر محبة الله ومحبة الناس، ويضيء للمؤمن حياته, وينور له بصيرته, ويكون سببا في تفريج كربه، وزوال همه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "والصبر ضياء". فلا يزال المرء مستضيئا مهتديا، وعلى الصواب مستمرا؛ ما دام الصبر خلقه، والتحمل سبيله، فإن الصبر خير معين على تجاوز العقبات, ومواجهة الأزمات، وتحقيق الإنجازات، فقد أمرنا الله عز وجل به في كل حادثة ونازلة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر.

فهل نحن من الصابرين على مضايقات الحياة وضغوطها؟ والمتحملين صعوباتها ومشاقها، حتى ننال جزاء الصابرين؟ وهل نسأل أنفسنا متى يفقد الواحد منا صبره، وكيف يستطيع أن يضبط نفسه؟