م يلتفت باحث قبل الصويان إلى تحقيب الشعر النبطي تحقيًبا تاريخيًا بالعودة إلى أقدم نماذجه المدوَّنة في مخطوطات
دشَّن الباحث السعوديّ الأنثروبولوجيّ سعد العبدالله الصويان مشروعه الخاص بسرديات الصحراء منذ سنوات عدة، وهو مشروع ضخم جدير بالتّتبع والتلقي يتكون من مقاربات عدة تًساءلُ الثقافة الشعبية في منطقة الخليج والجزيرة العربية بدءًا من أطروحته الضخمة جدًا"الشعر النبطيّ ذائقة الشعب وسلطة النص"؛ وهو المشروع الذي عكف عليه لمدة تزيد على العشر سنوات بين جمع الوثائق والمخطوطات وقد طرح فيه فكرة جريئة جدًا زاعمًا أنَّ الشعر النبطيّ الشائع والمنتشر في الجزيرة العربية إنَّما هو سليل الشعر الجاهليّ وقد تعرَّض لتحويرات في تحقيباتٍ زمنيةٍ متلاحقة جعلته أقرب إلى الثقافة الدارجة منه إلى الثقافة الفصيحة النخبوية. وقد استعان للتدليل على كلامه بعشرات المخطوطات التي دوَّنت شعرًا نبطيًا يعود عمره إلى خمسة قرون، وهذه المخطوطات استقاها الباحث من مراكز المخطوطات بالمملكة العربية السعودية إلى جانب مصنفات تاريخية لباحثين من أبناء المنطقة. لقد أراد الصويان أن يسوَّغ لمشروعية دراسة الشعر النبطيّ من خلال مقدمة نقدية ضافية استعرض فيها مقولات الرفض ثم نقض تلك المقولات كما تعرَّض للشعر النبطيّ في مسماه ونشأته وفي لغته وتدوينه مبينًا أقدم النماذج الشعرية العائدة إلى حقبة بني هلال ثم الحقبة الجبرية الأولى والثانية ثم الحقبة الغريرية الأولى والثانية.

اشتغل الصويان على سرديات الصحراء في كتابين مهمين هما"الصحراء العربية، ثقافتها وشعرها عبر العصور، قراءة أنثروبولوجية" و"أدب أيام العرب الأواخر، أساطير ومرويات شفهية في التاريخ والأدب من شمال الجزيرة العربية مع شذرات مختارة من قبيلتي آل مرة وسبيع".

في كتاب"الصحراء العربية، ثقافتها وشعرها عبر العصور، قراءة أنثروبولوجية" حاول تسليط الأضواء على الثقافات الشفاهية في الجزيرة العربية التي قلَّما حظيت بانتباه الباحثين إليها رغم ارتباطها الثقافيّ والاجتماعيّ بثقافتنا العربية وخاصة في الخليج والجزيرة العربية. ولذلك يركزُ الصويان على بيان تداخل الشفاهيّ والكتابيّ منذ الشعر الجاهليّ كما يركز على بيان العلاقة بين الشعر النبطيّ والشعر الجاهليّ وهي العلاقة التي أفرد لها كتابًا كاملاً أشرتُ إليه منذ قليل هو "الشعر النبطي، ذائقة الشعب وسلطة النص". ويفكّك الصويان ثقافة الصحراء منذ ثنائية البدو والحضر الكبرى عند ابن خلدون إلى ثنائية الرموز وإيديولوجية النسب القبليّ والتكيّف مع معيشة الصحراء. وفي قسمٍ طريفٍ من الكتاب يقفُ عند تداخل التاريخ والأسطورة مبينًا آليات التحوّل الأسطوريّ والتاريخيّ كإعادة إنتاج للأسطوريّ. والطريف أيضًا لديه اتخاذه حكاية نمر بن عدوان وزوجته وضحا أنموذجًا للتحوّل الأسطوري!

يقول الصويان "قصة حب نمر ابن عدوان وزوجته وضحا وأشعاره فيها أصبحت واسعة الانتشار ولها العديد من الروايات المتضاربة التي يصعب التوفيق فيما بينها. فالأشعار التي تُروى منسوبة لنمر ابن عدوان في نجد وشمال الجزيرة العربية سواء بين البدو أو بين الحضر وسواء منها المطبوع أو المخطوط أو ما يُروى شفهيًا، كلها أشعار جزلة ومستقيمة المبنى والمعنى. أمَّا ما جمعه الباحثون، العرب والأجانب، من فلسطين والأردن وبادية الشام، بعضها من رواة يُفترض أنهم أحفاد نمر وأبناء عشيرته الأقربين، فهو في غاية الركاكة والغثاثة! وهذا يعني عند الصويان أنَّ هذه الشخصية الحديثة نسبيًا ( كانت وفاة نمر بن عدوان 1823م) قد خضعت لأشعار منتحلة وملفقة تُنسب إلى ابن عدوان رغم كونها لشعراء آخرين من الجزيرة العربية، وكأنَّ الرواة جعلوا كل قصيدة فيها اسم "وضحا" من عمل ابن عدوان! كما فعلت الذاكرة العربية القديمة عندما نسبت أشعارًا فيها ذكرٌ لليلى العامرية إلى مجنون ليلى رغم التشكيك في هويته ورغم كون عدد كبير من تلك الأشعار أنتجها شعراء من عصور مختلفة بما فيهم المتصوفة الذين جعلوا المجنون وليلى ضمن مراتب المريد الصوفي للفناء في الذات التي تمثل "سرديات الصحراء" جزءًا أساسيًا في مشروع الباحث الأنثروبولوجيّ السعوديّ الدكتور سعد العبدالله الصويان النقديّ؛ إذ تناول هذه السرديات في محيطها الصحراويّ الذي أنتجها واقفًا عند رمزيتها العميقة وقبولها كذلك للتأويلات المتعددة الأمر الذي جعل بعض الحكايات البدوية التي جرت منذ زمن قصير وليس بالبعيد جزءًا من متخيّل أسطوري قابلاً للإضافة وتعدّد القراءات.

لاشكَّ أنَّ مشروع سعدالعبدالله الصويان من المشروعات النقدية الجاذبة التي تغري الباحث في الثقافة الشعبية بالتأني في القراءة والمقاربات؛ نظرًا إلى طرافة المادة الشعبية التي اشتغل عليها ونظرًا كذلك إلى ضخامة مشروعه النقدي الرصين من المادة العلمية والمقاربات المنهجية.

 فعلى سبيل المثال لم يلتفت باحث قبل الصويان إلى تحقيب الشعر النبطي تحقيًبا تاريخيًا بالعودة إلى أقدم نماذجه المدوَّنة في مخطوطات؛ فقد كان الاتكاء مستندًا إلى وجوده في محيط شفاهيّ بحت. كما أنَّ الصويان يُعد من أوائل الباحثين الخليجيين في مجال الثقافة الشعبية الذين التفتوا إلى دور التأويل في إعادة إنتاج الواقعيّ والتاريخيّ بمتخيّل أسطوريّ. والصويان كذلك هو أول باحث خليجيّ وعربيّ التفت إلى تدوين ما أسماه"أدب أيام العرب الأواخر"، ويقصد به الأدب الذي أنتجته الجزيرة العربية في القرون الأخيرة وهي حقب تاريخية غُيِّبت تاريخيًا ونقديًا.  وأعرف بحكم اطلاعي على هذه الفترة أنَّ الدراسات النقدية المنهجية الرصينة عن هذا الأدب في حكم القليل النادر والدراسات الأخرى تقليدية بحتة صادرة عن عقلية تجميعية توثيقية في المقام الأول. وختامًا أقول رغم حديثي عن هذا الباحث المتميّز في إلا أنني أشعر أنني لم أعطه ما يستحق من اهتمام وأعد بمقالات مطوّلة قادمة عنه، وللباحث موقع إلكتروني تحت اسم موقع سعدالعبدالله الصويان يشتمل على نتاجه باللغتين العربية والإنجليزية وهو موقع إلكتروني يستحق المتابعة وأحرضكم عليها!