لم يكن البياتي يترك شاعراً ميتاً مثل بدر شاكر السياب إلا وخصّه بالتبخيس، فهو يغار من الأحياء ويخاف من الشعراء الأموات مثل بدر شاكر السياب
1-
في سبعينات القرن العشرين ، كان الحوار مع الشاعر عبد الوهاب البيّاتي حلمًا لدى أي صحافي شاب، وضالّةً ينشدها كل صحافي محترف، فهذا الشاعر شغل الناس بتجربته الشعرية و بتصريحاته المستفزة وهجائياته وسخريته من بعض الأسماء، وكلامه عنها يشكّل فرقعة إعلامية تلقى من الحفاوة ما يمكن أن يثير الرأي الثقافي العامّ .
وتخصص المجلة أو الجريدة ( التي تحضن حوار البيّاتي بقنابله الإعلامية ) حيزاً كبيراً ومثيراً حتى ينتبه القرّاء أكثر، فتتناقل مختلف المنابر الصحافية تصريحاته وتحتل حيزاً كبيراً للاحتفاء بتخريجاته التي تحرك الشعراء الأحياء، ولا يدّخر أبوعلي الشعراء الراحلين قديماً أو حديثاً .
2-
نعم ، أبوعلي البياتي لا يترك شاعراً معروفاً من الأحياء إلا بعد أن يَمَسُّه بعبارة مقذعة، وعلى سبيل المثال فإنه قال عن الشاعرة المجتهدة والمحرّكة لظاهرة الشعر الحر التفعيلي نازك الملائكة: "كانت نازك تحمل بذرة الموت منذ أول قصيدة كتبتها".
وعن نزار قباني يقول: "يشبه ابن ضابط تركي مدلل جاء إلى بلادنا".
وعن شعر محمود درويش في بداية ظهوره اللافت قال: "إنه يشبه الشعراء الإسرائيليين الشبان" رغم أن البياتي لا يقرأ بالعبرية،
وسبق لي أن سمعته يحكي عن الشاعر السينغالي ليوبولد سيدار سنغور، وقال ما يلي: "سنغور شاعر متوسط جداً"، وتفاجأتُ بتقييمه هذا، وتذكرتُ بأن البياتي لا يحسن الفرنسية، فبادرته بالسؤال: "يا أبا علي، كيف قيمت مستواه الشعري وانت لا تحسن الفرنسية ؟"
وجاءت إجابته على هذا النحو الكوميدي: "يبدو أن ترجمة شعره كانت جيدة!".
وأما محمد مفتاح الفيتوري، فقال عنه إنه من قبيلة الفواتير التي كانت تنيخ في الصحراء الممتدة بَيْن ليبيا والسودان.
3-
ولم يكن البياتي يترك شاعراً ميتاً مثل بدر شاكر السياب إلا وخصّه بالتبخيس، فهو يغار من الأحياء ويخاف من الشعراء الأموات مثل السياب حيث يوحي البياتي بأن له الأسبقية على السياب. بل ولم يكن عنتر العبسي يسلم من لسان البياتي.
4-
ولم يكن أبوعلي معروفاً بكرهه للشعراء العرب عند العرب فقط، بل كان حقده معروفاً لدى الأمم التي ترجمت أشعاره إلى لغاتها .
وروى أحد المستشرقين من بلدان المنظومة الاشتراكية سابقاً إنه خطر لأحد الشعراء في مدينة "سراييفو" أن يسأل سؤالاً في طائرة كانت تقلّ في مهرجان حوالي مائة شاعر: "يا أخوتي الشعراء، هل تتصورون أن يوجد في الدنيا شاعر يتمنى لهذه الطائرة أن تسقط ليظل هو الشاعر الوحيد ؟".
وكان الجواب حاصلاً حول الإجماع على الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي الذي تميز بحقده العالمي على أهل الشعر.
5-
وغادر عبد الوهاب البياتي حياتنا في شهر أغسطس (آب) من سنة 1999، وانطفأت النيران التي كان يشعل حرائقها باهتمام وعناية وحرص، فهو يجمع جمهوراً من عشاق النميمة، وصحافيين وشعراء، وكان أبوعلي يحب الدعابة على الغير ولا يقبل من أحد أن يَمَسُّه بهجاء أو يداعبه مجرد دعابة.
6-
حين غادر أبوعلي، قلنا إن الهجاء الصحافي انتهى، إلى أن بدأ يظهر من جديد مع شاعر معروف هو سعدي يوسف الذي أطلق جملة من الأحكام القاسية على الشعر العربي الآن. فأثار ما بدا للناس نوعاً من الكلام الاعتباطي الملقى بلا فرامل إو ضوابط . فقد انطلق سعدي يوسف في تقييم الساحة الشعرية العربية، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي في مقال لم يتجاوز الأسطر المعدودة.
7-
وإذا كانت ردود الفعل خافتة أيام البياتي، حيث لا فيس بوك أو تويتر أوغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي الحي أو الحار، فان عصر الفيس بوك لم يرحم سعدي يوسف، وجاء في رد الشاعر الجزائري رابح الظريف على كلام سعدي يوسف الأخير، وهو مثل البياتي لا يعرف الفرنسية ولكن سعدي أشاد بالشعر الجزائري المكتوب بالفرنسية!
وجاء رد الفعل العربي من الشاعر الجزائري الفصيح رابح الظريف الذي رد على سعدي في فيس بوك، وقال له كلاماً ننقل منه ما يلي:
"...... سعدي يوسف.. الذي قال (الجزائر، لم تكُن، في أحد الأيام ، غابراً كان اليوم أو حاضراً ، حاضنةَ شِعرٍ، باستثناء المكتوب باللغة الفرنسية).
آسف يا سعدي يا يوسف.. الساحة الشعرية الجزائرية هي ما يكتب بالعربية والفرنسية والأمازيغية.. وليس لك الحقّ في أن تستثنيَ ( إلا ما كتب بالفرنسية) من الساحة الشعرية على اعتبار أنّه ليس جزائرياً بالنسبة لك.. هذه واحدة.. أما الثانية فأكاد أجزم أنك لست بقارئ جيد للشعر الجزائري الأكيد أنّك لم تقرأ الشعر الجزائري في حياتك.. لذا أقولها لك بالعامية الجزائرية: عاودْ ما قريت يا شيخْ.
8-
إن الأحكام والتعميمات التي يرسلها الشعراء الى الشعراء تستوجب الكثير من التريث والصبر، وربما ليس من واجب الشاعر العربي أن يحكم على شعر أي بلد عربي آخر، وان يكتفي بالكتابة الشعرية، بدلاً من الهجاء الصحفي الذي إضاع الكثير من إشراقات البياتي الشعرية، فماذا تبقى من فرقعات البياتي ؟ وهل سعدي يوسف طامع في وراثة مواطنه العراقي عبد الوهاب البياتي!