يكتب محمد مظلوم في مقدمة "ديوان رثاء الزوجات": "وممَّا يجعل قصيدةَ الرِّثاء خلاصة لتجربة عميقة تجمع بين الذاتي والموضوعي، أنها لا تقف، مضمونياً، عند الضفاف الشخصية لفجيعة الفقدان، والانشغال بالتأمل في جهة الخسران، وإنما تتفاعل داخلياً لتغدو سؤالاً قاسياً وصعباً يحاور الأبديَّة ويُقلقها داخل الإنسان على نحو مستمرٍّ. ولعلَّ هذا ما جعل شعر الرِّثاء غرضاً بذاته بلا غرضية شخصية".

قصيدة الرثاء عند محمود درويش منصة لطرح أسئلة وجودية تفصح عن العلاقة الجدلية بين مصير الفرد ومصير الجماعة
ينطبق هذا القول بعمق على المراثي التي كتبها محمود درويش خلال مسيرته، والتي جمعها سمير الزبن في كتاب "محمود درويش يكسر إطار الصورة ويذهب" (دار كنعان- دمشق 2013).

نقرأ في القسم الأول من الكتاب ما كتبه درويش نثراً في رثاء غسان كنفاني، كمال ناصر، ناجي العلي، معين بسيسو، خليل الوزير، إميل حبيبي، ياسر عرفات، وآخرين.

أما القسم المخصص لمراثيه الشعرية فيبدأ بقصيدة إلى والده، ضمّنها ديوانه الأول (أوراق الزيتون/ 1964)، كما أهدى قصيدته "الرجل ذو الظل الأخضر" إلى ذكرى جمال عبد الناصر (حبيبتي تنهض من موتها/1970)، وتوقّف عند رفاقه الثلاثة أبو يوسف النجار، وكمال عدوان، وكمال ناصر في مرثية "طوبى لشيء لم يصل"، ثم راشد حسين في "كان ما سوف يكون" (أعراس/ 1977)، لتكرّ السبحة مع شهداء فلسطين مثل عز الدين القلق، وماجد أبو شرار (حصار لمدائح البحر/ 1984)، وإميل حبيبي (لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي/ 2009). وسيستعيد صورة خليل حاوي في "الشاعر افتضحت قصيدته" ( مقطع من مديح الظل العالي/ 1983)، وأمل دنقل (لا تعتذر عمّا فعلت/ 2004)، وانتهاءً برثاء إدوارد سعيد في "طباق" (كزهر اللوز أو أبعد/ 2006).

قصيدة الرثاء عند محمود درويش منصة لطرح أسئلة وجودية تفصح عن العلاقة الجدلية بين مصير الفرد ومصير الجماعة، وهي أيضاً رثاء للذات التي نظرت طويلاً إلى الموت والموتى قبل أن تموت، ومثال ذلك الأنصع هو "الجدارية". لكن المراثي تتعمق في معنى الوجود الفلسطيني، فسوى أن الخسارة والفقد واللجوء والحرب أعطت نص درويش نبرة رثائية، يذهب الراحل في مراثيه إلى أسئلة فلسطينية محضة. يقول في رثاء غسان كنفاني: "لو وضعوك في الجنة أو جهنّم، لأشغلتَ سكانهما بقضية فلسطين".

رثاء ياسر عرفات
ويقول في رثاء ياسر عرفات: "في كل واحد منا فكرة شخصية منه وعناق وقبلة، وفي كل واحد منا وعي هوية لا تعاني من قلق التعريف. لن نكون فلسطينيين إلا إذا كنا عرباً، ولن نكون عرباً إلا إذا كنا فلسطينيين. فهذه الهوية مستعصية على المراجعة والتفاوض، سواء قام الشرق الأوسط الجديد أو لم يقم. ولن نكون ما نريد أن نكون إلا إذا عرفنا كيف ننهي عملية الخروج من تاريخنا ومن التاريخ الانساني، وكيف نعود إليهما بكل ما أوتينا من طاقات وتجارب ومواهب".

انشغال درويش الكبير بسؤال الموت، وانعكاس هذا القلق في قصائده، جعل الموت "كاشفاً لجماليات الحياة"، كما يقول محرر الكتاب، وجعل من نص الرثاء حالة شعرية عالية وخاصة، تماماً مثل قصيدته "طباق"، المهداة إلى إدوارد سعيد، حيث يجعلها ميداناً لأسئلة الوطن والمنفى، ويختصر آلام كل والمهاجرين والمنفيين بشخص سعيد.

في النهاية، ورغم كل هذا الموت، هذه المراثي منصة درويشية لتمجيد الحياة.