رفعت الصحافية البريطانية ناتالي نوغايريد مستوى التنافس بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وزعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية مارين لوبن إلى مستوى "المعركة لأجل روح أوروبا".

أثّر الإرهاب الذي ضرب فرنسا على سياساتها الداخلية لدرجة أنّ مقاربات لوبان يمكن أن تشكل عنصراً حاسماً في تحديد وجهة فرنسا المقبلة
ورأت في صحيفة الغارديان البريطانية أنّ هنالك، تبعاً لهذه المعركة، "صداماً بين شخصيتين ورؤيتين". وما سينتج عن ذلك قد يؤثر على جميع الأوروبيين لأجيال قادمة. وأقرت ب "غرابة" تحجيم الأزمات الأوروبية إلى مجرّد صراع فردي: فميركل لا زالت في السلطة منذ سنة 2005 فيما لم تستطع لوبان أن تقترب منها حتى.

اِنطلاقاً من هنا، قد يسأل البعض عن سبب إيلاء أهمية لوجه معارض فرنسي أكثر من رجل قصر الإليزيه فرانسوا هولاند. وتجيب الكاتبة فوراً بأنّ الأخير أصبح "ضعيفاً للغاية"، وازداد ضعفاً بعد استقالة وزير الاقتصاد إيمانويل ماكرون. بالإضافة إلى ذلك، أثّر الإرهاب الذي ضرب فرنسا على سياساتها الداخلية لدرجة أنّ مقاربات لوبان يمكن أن تشكل عنصراً حاسماً في تحديد وجهة فرنسا المقبلة.

اِطمئنان "جزئي" فقط
تشير نوغايريد إلى أنّ الاحتمال الضئيل لوصول لوبان إلى سدّة الرئاسة السنة المقبلة هو "مطمئن جزئياً فقط". فالمشكلة تكمن في سياساتها وخطاباتها التي ضختها في التيار اليميني الفرنسي بحسب الكاتبة. وترى أنّه من الصعب رؤية سلطة أو قوة في فرنسا قادرة على ردّ أفكارها أو إبطال تأثيرها خصوصاً لدى الطبقات المتوسطة. بالنسبة إلى الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الذي يأمل بالفوز في الانتخابات التمهيدية، إنّ سياساته حول "تقليد" توجهات لوبان بدلاً من مواجهة طريق تفكيرها.

لوبان تكرهها وميركل تحتقرها
أمّا أقوى معارضة لزعيمة الجبهة الوطنية، فبإمكان المرء أن يجدها خارج فرنسا بحسب نوغايريد: إنها أنجيلا ميركل. "لوبان تكره ميركل وميركل تحتقر لوبان". والأولى انتقدت الثانية لمحاولة فرضها الهجرة غير الشرعية على كامل أوروبا. وتجد ميركل لوبان "خطراً داهماً على أوروبا". المرأتان لم تلتقيا من قبل "ولم تملكا أي سبب لفعل ذلك". وعلى الرغم من أنهما جلستا السنة الماضية تحت قبة البرلمان الأوروبي، إلّا أن ميركل أبقت نظرها بعيداً عنها كموقف "ازدراء" تجاهها. وتذكر الكاتبة أنه في ذلك اليوم، انتقدت لوبن الرئيس الفرنسي بعنف واصفة إياه بكونه "نائب المستشارة في ألمانيا"، بعدما هاجم الشعبوية في أحد خطاباته.

القاسم المشترك الوحيد
وعلى الرغم من الفروقات بينهما، تؤكد نوغايريد وجود قاسم مشترك بين المرأتين وهو عمق قناعتهما السياسية. فميركل أصرت على أنّ استقبال اللاجئين هو "الشيء الصحيح لفعله". بينما تتحدث لوبان عن "الإسلام المستفحل" في القارة الأوروبية. وتشير نوغايريد إلى أنّ لوبان تصطف إلى جانب من يريد تفكيك أوروبا، بينما تريد ميركل وحدة القارة مضافاً إليها الشراكة بين ضفتي الأطلسي. وفيما لوبان معجبة ببوتين، يظهر حزبها أيضاً على أنه حلقة من الشبكة المؤيدة للكرملين في أوروبا. وتستقي زعيمة الجبهة عقيدة حزبها من أقصى اليمين المتطرف في التاريخ الفرنسي المتمثل بأفكار شارل مورا و"الاستعمار العنصري"، بينما تستقي ميركل قيم الحريات الفردية من والدها، المبشر البروتستانتي. ثمّ أشارت الكاتبة إلى أنّ لوبان تحدّثت كثيراً عن كونها امرأة مطلقة وأظهرت نفسها كمدخّنة في محاولة لإبراز نفسها على أنها "امرأة عصرية". أمّا شخصية ميركل فهي "أكثر هدوءاً وصرامة".

المحرك المعطل
ما قاد المشروع الأوروبي لعقود كان "المحرك الفرنسي-الألماني". لكنّ هذا المحرك معطل الآن بسبب الضعف الاقتصادي الفرنسي الذي "أفقد التوازن في العلاقة بشكل خطير". وما يوجّه السياسات الأوروبية الآن هو "نوع آخر من المعادلة الفرنسية الألمانية". ففي مايو (أيار) الماضي، أكدت ميركل علناً أنها ستحرص على كون "قوى سياسية أخرى أقوى من الجبهة الوطنية، إذا كان يمكن أن يُنجز (الأمر) من الخارج". وردّ مؤيدو لوبان بالقول إن ميركل تحاول أن تتدخل في السياسة الداخلية لفرنسا.

الموعد الأوّل.. الأحد المقبل
ولفتت الكاتبة أخيراً إلى أنّ ميركل يقظة تجاه الرابط بين الجبهة الوطنية في فرنسا واليمين المتطرف الصاعد في ألمانيا. والأحد القادم، ستقدّم الانتخابات المحلية في مكلنبورغ-فوربوميرن (إحدى الولايات الألمانية) امتحاناً لحزب ميركل (الحزب الديموقراطي المسيحي، سي دي يو) الذي أبدت استطلاعات الرأي تراجعه خلف الحزب اليميني المتطرف "البديل من أجل ألمانيا" (أي أف دي). "لوبان تراقب عن كثب. تساؤل صغير: واحدة من الاثنتين ستصوغ مستقبل أوروبا. السؤال هو، أي منهما".