ما لم ينتبه إليه «د. يوسف زيدان» هو أنه وقع في الخطأ الذي أخذه على صناع الفيلم، حين لم يجدوا في «صلاح الدين الأيوبي» إلا كل ما هو مثالي وإيجابي، إذ لم يجد هو في تاريخ الرجل أو شخصه إلا كل ما هو سلبي ومنفر
بعد أكثر من نصف قرن على عرضه الأول، عاد فيلم "الناصر صلاح الدين" الذي أخرجه "يوسف شاهين" وقام ببطولته "أحمد مظهر" و"نادية لطفي" ليثير الجدل حول العلاقة بين الدراما والتاريخ، وبين التاريخ والواقع، في أعقاب الضجة التي أثارتها - في الأسابيع الأخيرة - تصريحات الروائي والناقد "د. يوسف زيدان" - مدير المخطوطات بمكتبة الإسكندرية سابقاً - التي تضمنت هجوماً عنيفاً وقاسياً تجاوز الفيلم وصناعه إلى شخصية "صلاح الدين الأيوبي" نفسه.
أبرز ما أخذه "د. يوسف زيدان" على الفيلم أنه تلاعب في وقائع التاريخ لكي يقدم صورة مثالية لشخصية "صلاح الدين الأيوبي"، تنسب إليه فضائل لم يكن يتمتع بها، إذا كان - في رأي "زيدان" - شخصية سلبية من كل النواحي، ووصل هذا التلاعب إلى الحد الذي اصطنع فيه وقائع لم تحدث على الاطلاق، من بينها أنه غيّر دين "عيسى العوام" - الذي لعب دوره في الفيلم الفنان صلاح ذو الفقار - من الإسلام إلى المسيحية، لكى يبرهن بذلك على أن من بين قادة جيوش صلاح الدين الذين كانوا يحاربون جيوش الصليبيين الغازية، من كان يدين بالمسيحية، بينما أخفى وقائع أخرى ذكرها المؤرخون، تسجل ما وقع فيه من أخطاء وما ارتكبه من خطايا.
وبصرف النظر عن مدى دقة الأدلة التي استند إليها "يوسف زيدان" فإنه لم ينتبه إلى أنه يتحدث عن عمل درامي، يستوحي أحداث التاريخ، ويفترض صناعه أن من حقهم إذا تطلبت الضرورات الدرامية ذلك أن يغيروا في هذه الأحداث، وهو عيب يسود كثيراً من الأعمال الدرامية العربية والأجنبية، خاصة ما يتصل منها بالعصور التي سبقت عصر التوثيق، مما يضطر صناعها إلى الاعتماد على خيالهم فى سد الفجوات فى أحداث التاريخ التي لم يرد لها ذكر فيما عثروا عليه من مصادره.
وفضلاً عن ذلك فإن بعض صناع الدراما التاريخية ينطلقون من رؤية تذهب إلى القول إنهم لا يقدمون تاريخاً، بل يبدعون فناً.. وبالتالي فهم أحرار في التعامل مع المادة التاريخية، حتى لو وصلت هذه الحرية، إلى حد الفانتازيا التي تستند إلى الخيال الجامح، فتغير الوقائع أو تنسب للشخصيات التاريخية، ما تفرضه الضرورات الدرامية بصرف النظر عن تطابقها أو عدم تطابقها مع الحقائق التاريخية، وليس من حق المؤرخين - فى هذه الحالة - أن يقيِّموا هذه الأعمال، على أساس مدى التزامها بقواعد علم التاريخ، إذ هي تخضع لقواعد النقد الدرامي.
وعلى العكس من صناع الأفلام الوثائقية التي لا بد أن يلتزم صناعها بحقائق ووثائق التاريخ، فإن من حق صناع الدراما التاريخية - في رأينا - أن يضيفوا إلى هذه الوقائع أو يغيروا منها، بعض ما قد تدفعهم إليه الضرورات الدرامية، على أن يظل ذلك في حدود التفاصيل الفرعية التي لا تغير الخطوط الرئيسية للوقائع أو الملامح الأساسية لسلوك الشخصيات التاريخية.. وفي هذا السياق فإن تغيير صناع فيلم "الناصر صلاح الدين" لدين "عيسى العوام" من الإسلام إلى المسيحية كان خطأ منهم.. صحيح أن المبرر الدرامي لهذا التغيير كان ينطلق من رغبتهم في أن يؤكدوا أن المعركة ضد الصليبيين، كانت حرباً بين العرب والإفرنج، ولم تكن معركة بين النصارى والمسلمين، بدليل أن المسيحيين العرب انضموا إلى صلاح الدين في حروبه ضد هؤلاء الإفرنج باعتبارهم غزاة يتسترون وراء الادعاء بالدفاع عن المسيح.. وهي واقعة تاريخية صحيحة، ولكن استخدام شخصية حقيقية هي "عيسى العوام" لترجمة هذه الفكرة، كان خطأ وكان الأفضل اختيار اسم آخر للشخصية.. أو ترجمة الفكرة بوقائع أخرى.
والحقيقة أن انتقاد "د. يوسف زيدان" لصناع فيلم "الناصر صلاح الدين" لأنه يقدمه في صورة مثالية لم تقع في أي خطأ ولم ترتكب أية خطيئة، لا يختلف - إلا من حيث التوجه - عن الرؤية الشائعة بين صناع الدراما العرب، بل وبين بعض المؤرخين العرب، ويذهب أصحاب هذه الرؤية، إلى أن على صناع هذا النوع من الدراما، أن يضعوا في اعتبارهم عند تقديم أفلام ومسلسلات درامية، تتناول حياة ونضال مثل هذه الشخصيات، أنها تمثل قدوة أخلاقية دينية ووطنية للأجيال الشابة، وأن يبتعدوا عن تصوير الجوانب السلبية في سلوكهم، أو ذكر الأخطاء التي وقعوا فيها، حتى يشجعوا الأجيال الجديدة على الاقتداء بها والسير على الدروب المثالية التى ساروا عليها، وأدت إلى حفر أسمائهم فى سجل التاريخ، وهي رؤية يرى آخرون أنها ربما تؤدي إلى عكس المقصود منها، إذ هي توحي لمن يتلقون هذه الأعمال، أن هذه الشخصيات، لا تنتمي لعالم البشر الذي ينتمون إليه، وأنها خُلقت خصيصا لكي تقوم بالأدوار التي قامت بها في التاريخ، وأن اتخاذها "قدوة" أو السير على دربها، أمر يصعب على أمثالهم من الشخصيات العادية التى لا تتمتع بهذه الصفات، لينتهي بهم ذلك إلى الاكتفاء بالفرجة على الفيلم، دون أن يتخذوا من البطل قدوة!
ما لم ينتبه إليه "د. يوسف زيدان" هو أنه وقع في الخطأ الذي أخذه على صناع الفيلم، حين لم يجدوا في "صلاح الدين الأيوبي" إلا كل ما هو مثالي وإيجابي، إذ لم يجد هو في تاريخ الرجل أو شخصه إلا كل ما هو سلبي ومنفر دفعه لوصفه بعبارة قاسية لا يجوز أن تصدر عن باحث وأستاذ في المخطوطات، وهو أنه كان أحقر شخصية في التاريخ.. وهو حكم يفتقد للموضوعية، ويبالغ في الأخطاء التي لا بد أن صلاح الدين الأيوبي قد وقع فيها كما وقع فيها غيره من أبطال التاريخ، بحكم أنه بشر يخطئ ويصيب ويحسن ويسيء، وهي أخطاء تزدحم بها المصادر الأساسية للتاريخ، التي لا يمكن تبرئة بعضها من الانحياز لمن تؤرخ لهم من الشخصيات التاريخية أو تبرئة بعضها الآخر من التحامل عليهم، ومع ذلك فقد كانت أكثر انصافاً لـ"صلاح الدين الأيوبي" من "د. يوسف زيدان" الذي استفزه فيما بيدو أن فيلم "يوسف شاهين" لم يجد في الرجل إلا ما هو مثالي، فقرر - مع سبق الإصرار والترصد - ألا يجد فيه إلا ما هو عكس ذلك! فحوله من ملاك إلى شيطان.. ومن بشر يخطئ ويصيب، ويجمع بين البطولة والحماقة، وبين الشر والخير، إلى نموذج للشر المطلق بلا مبرر، دون أسانيد حقيقية!