"إنني، بكلّ عنف، أتهم الحكومات المتعاقبة بالرضوخ على نحو جبان أمام تقليد ديني استورده إلى أرضنا أولئك الذين حالفهم حظّ الاستقبال هنا، والذين يفرضون علينا، شيئاً فشيئاً، عادات بربرية، ودموية، ومثيرة للاشمئزاز، تتناقض مع مبادئنا العلمانية وركائز جمهوريتنا"...

هكذا تكلمت بريجيت باردو!

وهكذا تتكلم كلّ عام، حين يحلّ عيد الأضحى وينحر المسلمون الفرنسيون الأضاحي، فتضعهم نجمة السينما السابقة في قفص الاتهام بارتكاب "إبادة جماعية" ضدّ الخراف! صحيح أنّ الستّ "ب. ب." تبدّل مفردات الخطاب بين سنة وأخرى، أو تعدّل نبرة التأثيم (تصعيداً، وليس البتة تهدئةً!)؛ إلا أنّ الجوهر يظلّ راسخاً ثابتاً تختصره روحية النصّ السابق، أو تُضاف إليه عبارة أخرى، مثل هذه: "هؤلاء الناس يذبحون النساء والأطفال ورهباننا ومسؤولينا وسيّاحنا والخراف"! هنا يختلط البشر بالسائمة، ويستوي الذبح الشعائري للحيوان بالإزهاق الإرهابي لأرواح العباد!

ذبح الخراف عمل بربري، في نظرها، وأمّا ذبح ديوك الحبش في "عيد الشكر"، أو ذبح الإوز في عيد رأس السنة الميلادية (بمئات الآلاف، ومن أجل استخلاص الكبد فقط!)، فإنهما في صلب "الحضارة" و"المدنية" و"العلمانية" و"الجمهورية". هذا على مستوى شعائر دينية أو احتفالية تمارسها البشرية لعشرات الأسباب، ذات المحتوى الأنثروبولوجي غالباً؛ وأما على المستوى الثقافي، فثمة ما هو أدهى وأجدر بالتأمل: أعني اللحم البشري، وليس لحوم المواشي والدواجن.

والحال أنّ أكل اللحم البشري لم يكن حكراً على "الأقوام الهمجية"، كما سعت مباحث أنثروبولوجية إلى الجزم والقطع، بل شهدتها المجتمعات الأوروبية عموماً، والفرنسية أيضاً ما دمنا نتحدّث عن هذا البلد. ففي عام 1572، وبعد مجزرة سان بارتولوميو الشهيرة، كانت أعضاء مبتورة من جثث الـ"هوغنوت"، أي البروتستانت أتباع الكنيسة الإصلاحية الكالفينية، تُباع في أسواق باريس وليون بغرض الأكل. والمؤرخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل (أحد أبرز مؤسسي "مدرسة الحوليات") يخبرنا أنّ أكل اللحم البشري صار عادة مألوفة في منطقة بورغوندي الفرنسية، وليس دائماً بسبب مجاعة 1662.

من جانبها كانت الباحثة الأمريكية كارولين ووكر بينوم قد جمعت أمثلة مدهشة على عادة أكل الجسد الآدمي، لأسباب طقسية محضة، في مراحل متفاوتة من تراث الشعائر المسيحية. والترتيلة القديمة Sancti Venite تقول: "تعالوا يا أبناء الشعب المقدس وكلوا جسد المسيح، واشربوا الدم المقدس الذي يخلّصكم. ها قد افتدانا المسيح بجسده ودمه، فلنأكله وندعو بالشكر". (أمثلة أخرى كثيرة تتوفر في كتاب بينوم "العيد المقدس والأكل المقدس"، 1987 ـ منشورات جامعة بيركلي).

وحين تتحدث باردو عن مسلمي فرنسا بهذه النبرة التعميمية، العشوائية والعمياء بقدر ما هي قاصرة خرقاء، فلأنها تريد حشدهم في سلّة عنصرية متماثلة، ينبغي أن تتسع للإسلام بالمعنى الثقافي الدوني، وللمسلمين بالمعنى الديني ـ العرقي؛ وينبغي استطراداً أن تسمح باحتقار الثقافة الإسلامية الدنيا وأبنائها، تمهيداً لتمجيد الثقافة الأوروبية العليا وأبنائها. وفي واقع الأمر لا يختلف سلوك باردو في شيء عن مواقف الذين يمكن أن يأخذوا كامل الديانة المسيحية، وكامل المسيحيين، بجريرة طقس شعائري محدد ومحدود من النوع الذي أشارت إليه بينوم، فتُشتقّ على أساسه صفات البربرية والإرهاب.

ولهذا فإنّ باردو لم تكتف بالمواقف والتصريحات ونصب أقفاص الاتهام، بل أصدرت كذلك كتاباً بعنوان "صرخة تكسر الصمت"، كانت عنصريته ضدّ المسلمين واضحة إلى درجة جعلت محكمة الجنح في باريس، بناء على شكوى تقدّمت بها مجموعة منظمات حقوقية، تدين باردو لأنها "تقدّم المسلمين باعتبارهم غزاة برابرة قساة مسؤولين عن الأعمال الإرهابية، يتطلعون للسيطرة على الفرنسيين إلى حدّ الرغبة في إبادتهم". وهذا الحكم، الذي صدر في أواسط العام 2004، كان الرابع من نوعه منذ سنة 1997 حين شرعت باردو في مهاجمة مسلمي فرنسا بذريعة أنّ ذبح الخراف في عيد الأضحى هو تنكيل بربري بالحيوان.

يبقى مآل منطقي كان يتوجب أن تنتهي إليه باردو، أي السقوط في أحضان "الجبهة الوطنية"، حزب مارين (جان ـ ماري) لوبين، المتطرّف، المتعصب، العنصري، الكاره للفرنسيين من أصول أجنبية عموماً، والمسلمين تحديداً وأوّلاً. وفي أروقة هذا الحزب، وطيّ سياساته وشعاراته وعقيدته، ثمة مسالخ ترأف بالحيوان، كثيراً، لكي لا تأخذها في البطش بالآدمي... لومة لائم!