قراء "أحمد خالد توفيق" يشيرون لنص تنبأ فيه بتاريخ وفاته قبل 7 سنوات
تداول جمهور عريض في العالم العربي، عبر مواقع التواصل اقتباسات ومواضيع وقصصاً حول الكاتب المصري الكبير، أحمد خالد توفيق الذي وافته المنية ليل الإثنين، بعد أزمة صحية مفاجئة، وبرز نص كتبه الراحل قبل سنوات، يقول فيه: "عندما رقدت في الضوء الخافت بعد ذلك، كنت أفكر في أحداث اليوم. كان من الوارد جداً أن يكون موعد دفني هو الأحد 3 أبريل بعد صلاة الظهر".
وكان توفيق من الكتاب العرب القلائل الذين برعوا في كتابة روايات الخيال العلمي وقصص الرعب، والكاتب الراحل، ولد في مدينة طنطا بمحافظة الغربية في العاشر من يونيو 1962 وتخرج في كلية الطب عام 1985 وحصل على الدكتوراه في طب المناطق الحارة عام 1997، وفجع رحيله جمهوره الواسع من مختلف الأعمار.
وفيما يلي المقاطع التي نشرت ضمن مقال له بعنوان "أماركورد" في مجلة "الشباب"، قبل نحو 7 سنوات، والتي بدا للقراء وكأن كاتبها تنبأ برحيله وحيثياته، وهو الذي عانى من توقف قلبه عدة مرات من قبل، واعتبر أنه مات وعاد للحياة في كل مرة، مظهراً ببساطته المعهودة وتعبيره الصادق الرهبة من هذا الحدث الجلل.
"يوم 2 إبريل عدت من الكلية مرهقًا. .كانت منال زوجتي في المطبخ تنهي إعداد الغداء. همست: ألا يا عتبة الساعة.. أموت الساعة الساعة... لم تفهم ما أعنيه فقلت لها إنه بيت شعر لأبي العتاهية كان يمقته لأنه ضعيف المستوى. جلسنا لتناول الغداء.. ثم.. شعرت للحظة بتلك الضربات المختلة من قلبي.. نوع من النغبشة الكهربية الغريبة.. لا تتوقف.. قلت لنفسي سوف تتوقف حالاً . اصبر ..
(ظلام)
أفتح عيني لأجد دائرة من الوجوه الباكية .. منال .. محمد .. مريم .. كلهم يتوسلون لي كي أفتح عيني. ماذا حدث؟.. لماذا أنا على الأرض؟.. لماذا أنا واهن هكذا؟.. هل نحن في النهار أم الليل؟.. لماذا يبكون؟..بدا لي هذا سخيفًا.. كما أن صديقي د.رائف وصفي كان جالساً في الصالة مما بدا لي غريباً.. هو لا يأتي من دون موعد أبداً.
فهمت ببطء أن قلبي توقف عن العمل تماماً وسقطت على الأرض، وقمت ببعض التشنجات اللطيفة جداً. زوجتي طبيبة وتعرف ما تقول. أما عن محاولات محمد للاتصال بالإسعاف فقد فشلت تماماً كالعادة، وهكذا اتصل بصديقي رائف ليتصرف..
ما لم أعرفه كذلك هو أن في ذات اللحظة توفى صديق عزيز اسمه رفعت فوزي بنوبة قلبية. كان رائف على وشك الاتصال ليخبرني بذلك! ما معنى هذا؟
"طلبوا مني أن أذهب للطبيب لكني كنت أعرف شيئًا واحدًا: لو لم أنم الآن لنصف ساعة مع كل هذا التعب، فسوف أموت. توسلوا لي لدرجة أنهم تمسكوا بقدمي لكني صحت: أتوسل لكم أن تتركوني أنام .. أنتم تقتلونني!".
ودخلت إلى الفراش لأرقد.. وغبت عن العالم. فقط كنت أفتح عيني من وقت لآخر لأجد أن مريم ترقد جواري ممسكة بيدي. لقد قامت بعمل ورديات مع محمد للنوم بجواري وإمساك يدي، حتى لا أنزلق إلى العالم الآخر.
"وعندما رقدت على الفراش أخيراُ ووضعوا الأقطاب على صدري عرفت أن الوضع خطير جداً.. قناع الأوكسجين.. القسطرة.. الوجوه الساهمة من حول الفراش.. لكني غير مهتم.. لا أريد سوى النوم.. أريد أن انااااام ..".
عندما رقدت في الضوء الخافت بعد ذلك، كنت أفكر في أحداث اليوم. كان من الوارد جداً أن يكون موعد دفني هو الأحد 3 إبريل بعد صلاة الظهر.
"إذن كان هذا هو الموت.. بدا لي بسيطًا مختصرًا وسريعًا.. بهذه البساطة.. أنت هنا.. أنت لم تعد هنا.. والأغرب أنني لم أر أي شيء من تجربة الدنو من الموت NDE التي كتبت عنها مرارًا.. تذكرت مقولة ساخرة قديمة هي أن عزاءك الوحيد إذا مت بعد الخامسة والأربعين هو أنك لم تمت شابًا!".
"بالنسبة لي مت مرتين في يوم واحد، ولم يكن الأمر صعبًا جدًا.. فجأة انقطع الفيلم في لحظة بعينها ثم عاد بعد حذف عشر دقائق. جميل جدًا ألا تعرف أنك تموت ولا تتوقع ذلك. فجأة أنت هنا.. فجأة أنت هناك مع السر الأزلي، وتدخل عالم القبر والكفن وانتفاخ البطن وسقوط الأنف.. ويخافك الأحياء.. لكنه بلا شك أفضل من معاناة صعوبة التنفس أيامًا وأنت موصول بجهاز تنفس، أو الشلل عدة أشهر وتلويث الملاءات، أو السقوط تحت عجلات قطار أو ميكروباص مجنون .. كانت ميتة جيدة نظيفة برغم كل شيء".
كانت المشكلة في المرحلة التالية هي الدوار.. فعلاً لا استطيع أن أبقي رأسي مرفوعًا أبدًا.. المشكلة الثانية كانت الاكتئا .. اكتئاب شديد مروع استمر عدة أشه، وهو شبيه بالاكتئاب الذي يصيب كل من يخرج من نوبة قلبية.. ذلك الشعور الكئيب بأن اليوم طويل والإضاءة ضعيفة والتنفس صعب!.. يضيق صدرك تمامًا وتشعر بأطنان تجثم عليه.. فعلا شعور فظيع! لو لم يزل لكنت قد جننت فعلاً.
دعك من رقابة زوجتي الصارمة لي. طبعًا منعتُ التدخين ومنعتُ القهوة، لكنها كانت تريد منع الشاي كذلك.. تعتقد أن الأطباء نسوا منعه.. منع التدخين ساهم في تفاقم حالة الاكتئاب، وما زلت حتى اليوم أنظر بحسد لكل من يدخن بلا تأنيب ضمير أو لوم.
عندما راجعت الفحوص الطبية وجدت أنه كان من الخسارة ان أموت.. أنا مهمل في صحتي جدًا، وكنت أتوقع وضعا في غاية السوء، وأن أجد الكلية تالفة والشرايين التاجية مسدودة ولدي سكر لم يعالج .. الغريب أن كل شيء رائع.. وظائف الكلية ممتازة.. لا يوجد سكري .. دهون الدم سليمة تماما.. الشرايين التاجية كشرايين طفل.. طفل لم يدخن سيجارة أو يشرب قهوة أو يأكل قطعة دهن في حياته!
لقد عدت للحياة.. يجب أن أتذكر هذا.. ربما كانت لعودتي دلالة مهمة.. لا أعرف.. ربما كان هناك عمل مهم جدا سوف أنجزه.. لكن ما هو؟.. أخشى أن أكون قد عدت لأتلف ما قمت به في حياتي الأولى.
الموت يأتي بسرعة فائقة فلا تراه قادمًا.. ومن ماتوا لم يجدوا فرصة ليخبروا الآخرين بهذا. أنا من القلائل الذين عادوا ويمكنهم أن يؤكدوا لك ذلك"!.