لم تفلح رواية "حرب الكلب الثانية"، للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، رغم حصولها على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2018، في التمكن من عوالم الفانتازيا واستشراف المستقبل القاتم للبشرية من قلب الظلام الذي صاغ فيه روايته التي بدأ قبل روايتها حتى يشبه العالم بقربة كلما أغلق أحد ثقوبها فتح آخر، وهذا بشكل كبير ما برز في النص الذي قدمه نصر الله، المليء بـ "الثقوب" إلى حد لافت.

قراء كثر لهذه الرواية بالذات، تفاجؤوا، لا لتفرد الطرح الذي قدمه نصر الله، بل العكس، إذ تكررت التيمة التي اعتمدها كتاب كثر سبقوه في روايات عديدة، وبشكل أكثر عمقاً بكثير، حتى في تلك الموجهة لليافعين.

أرض الظلام
فمثلاً بين أحداث مثيرة تخطف أنفاس القارئ وتعلقه في بعد آخر لمستقبل مروع مظلم للبشرية، كانت قصة "أسطورة أرض الظلام"، ضمن مجموعة قصص في سلسلة شهيرة لليافعين "ما وراء الطبيعة"، لم تتجاوز كسائر الكتيبات 100 صفحة، لكنها رغم ذلك استطاعت أن تصل لعمق وصف العالم بنوازعه البشرية السوداء، أكثر بكثير مما قام به كاتب شهير مثل نصر الله, والذي بدا وأنه تعمد اللا مبالاة في طرح روايته "حرب الكلب الثانية"، والتي تحدث فيها عن عوالم كابوسية، تدور في مستقبل مظلم بعد مرور زمن طويل على الحياة كما نعرفها، حيث الهواء ملوث والعالم فاسد وقاس أكثر حتى مما اعتدنا، وتتحلل الإنسانية أكثر فأكثر، والقتامة تلف العالم، ولا يملك قوة "الإبصار" سوى عناصر في أجهزة أمنية، الأمر الذي قدمه د.أحمد خالد توفيق كاتب "أسطورة أرض الظلام" قبل أكثر من 15 عام، بقصة حبكتها أكثر إتقاناً وأحاثها أكثر إثارة بكثير، رغم توجهها لجمهور من فئة عمرية أصغر بكثر ممن توجه لهم نصر الله.

ففي حين قدم توفيق شخصيتي "سالم" و"سلمى"، المسافران بين الأبعاد، وولوجهما لأرض الظلام التي كانت أرضنا التي نعرف اليوم في زمن مضى، تطرح قضايا الفساد والسلطة والجشع البشري ودمار البيئة والإنسان والروح كذلك، لكن في قالب يستحق التأمل والتحليل، ويفلح الكاتب في تقريب بطليه وشخوص روايته أو قصته بالأحرى للقراء، بخفة وسلاسة، ناهيك عن معلومات وأفكار فلسفية وأسئلة تقيم للعمل قيمة أدبية غنية، وفي حين ذلك، نجد أن نصر الله أسقط من حساباته نقاطاً مهمة لربط المفكك في نصه الأدبي الذي يتناول في صميمه الأفكار ذاتها.

وبينما كانت "أرض الظلام" تقربنا من عوالم "الأرض الخراب" لـ (ت.س. إليوت)، جاءت "حرب الكلب الثانية" لتدور في فلك عوالم أشبعت طرحاً في الرواية والشعر، ويلام الوسط الأدبي برأي الكثيرين، في تجاهل هذه الحقيقة خلال النقاش حول رواية نصر الله الأخيرة.

"أضلاع الفوضى"
ويؤخذ على نصر الله في روايته الأخيرة هذه تجاهله حياكة عالمه الذي أرسل "بعض حوادثه للماضي وبعضه للمستقبل"، ليكون في "الماضي والمستقبل أكثر من الحاضر"، مثلما استشهد تقريباً من كتاب "أضلاع الحكمة الناقصة"، قبل البدء بتفاصيل روايته الأقرب لأقصوصة خيال علمي أكثر مما تكون رواية تجاوزت الـ 300 صفحة وقدمت في محافل أدبية عديدة باعتبارها إنجازاً أدبياً، إلا أن الواقع أقرب لـ "أضلاع الفوضى الناقصة"، في هذه الرواية بالذات.

تبدأ الرواية بمقدمة غامضة عن تغير في زمن غير محدد إلا أنه يقع في المستقبل، وفي خلال عشر سنوات من تلك البداية التي لم تحدد يقصر النهار وتنفق أعداد متنامية من الكائنات الحية وانحدار إنتاج الخضر والحبوب وفرار الأغنياء لداخل المدن وانتشار الفوضى واختلاط الفصول وتعميم التكاثر بالنسخ، ومن ثم احتكار القوى الكبرى الضوء وتجسد الظلام والنور، وتحول الحكومات إلى ما بات يمسى بـ "القلاع"، وتظهر فوراً شخصية "راشد"، الذي كان ثائراً بشكل ما ملتزماً بقضايا البشر يمر بفترة اعتقال بعد خرقه للقانون بمشاهدة فيلم وثائقي عن الماضي وهنا تبدأ أفكار الحرب والدمار والموت تطل برأسها لتشي باتجاه الرواية نحوها كقضية أساسية.

مسخ
ومن ثم يخرج راشد من معتقله مرفوع الرأس دون خضوع لرجال القلعة، ولكنه يودع الماضي دون شعور بأي ذنب ليبدأ فوراً تحولاً من نوع خاص فيتقدم للزواج من حسناء هي شقيقة ضابط طموح يعمل في "القلعة"، ليتحول لاحقاً في عمله لـ راعي أسرى الأمل"، الوظيفة التي استحدثها لنفسه في مستشفى يشي رمزياً بالتمازج مع السلطة وارتقاء المرتبات الاجتماعية، ومن ثم نشهد في الرواية عالماً قذراً من الاتجار بالبشر وضعفهم وأحلامهم، وفي تفاصيل بين البوليسية والخيال العلمي، نتنقل مع راشد وعلاقته وشراكته كذل بين من كان يعاديهم، ومغامرته العاطفية الممتدة للنهاية مع سكرتيرته، وتحويلها لنسخة من زوجته الجميلة، بتقنية تخرج للعلن في ذلك الزمن شيئاً فشيئاً، ويمر البطل ومن حوله بتغيرات تفقدهم توزانهم أو بالأحرى تكشف لهم شيئاً فشيئاً غياب التوازن ومذاق الحياة، وتتعقد الأحداث بظهور "الأشباه" حيث يحول الناس اشكالهم لم يريدون أن يصبحوا عليه وتندلع شرارات النزاع والجريمة ورويداً رويداً تزداد الأمور في واقع ذلك المستقبل تعقيداً منذرة بحرب أخرى "حرب الكلب الثالثة"، وبجنون هائل، يضع نصر الله القارئ أمام صورة مسخ.. هو الإنسان واقفاً أمام مرآة العالم.

الممتع والمرهق
لكن ما يشوب "حرب الكلب الثانية" بعيداً عن تعمد كاتبها تجنب الغوص في تفاصيل كانت لتعد أكثر إثارة مما قدم، تجنب هذا الأخير إعطاء القارئ بعداً حقيقياً لتلمس تفاصيل العلاقات الإنسانية المتغيرة في ذلك الزمن المتخيل للمستقبل الكارثي، وتجنب نصر الله بحرج بالغ ظاهر وصف التفاصيل القريبة بين أبرز شخوص روايته، ناهيك عن تجنبه كذلك استخدام لغة تلائم حجم الفكرة التي يريد التعبير عنها، في تاريخ العنف البشري والمآل المؤسي المرعب للأرض وأهلها.

وسعت هذه الرواية لتناول تحولات المجتمع والواقع بالتركيز على فساد الشخصية الرئيسية وتحولاتها بين واقعين متنافرين تماماً، ولكن ربما يتشابهان أيضاً بين المناهض الثوري والفاسد، وكذلك سعت الرواية لمحاولة صدم القراء بنزعة التوحش والمادية وهشاشة القيم والإنسانية في الواقع، وإن كان نصر الله اعترف بنفسه في حديث له عن الرواية نشر سابقاً، عن مواجهته لصعوبة تشكيل البشر كشخوص في روايته حيث قال: "وأن تتحسس رغبات البشر وتطلعهم لاختراعات جديدة، مختلفة لم تنتج بعد، وتخترعها أنت، ربما كانت (اختراعاتي) في الرواية هي الشيء الممتع الوحيد لي، أثناء كتابتها، أما ما يتعلق بالبشر فكان الأمر مرهقا ومدمرا لي.."

الفرصة الضائعة
ولام قراء كثر نصر الله امتلاء روايته بـ "ثقوب" في أحداث غير مكتملة وأسئلة بلا إجابات، أصابتهم أكثر بالحيرة، وأدت لتسرب شعور بالانزعاج لدى قراءتها، مخفقة في فتح الباب على الأسئلة الوجودية بالشكل المطلوب، وكأن الكاتب أغفلها دون خطة واضحة منه أو مقصد حقيقي.

وتلك الـ "ثقوب" في النص والأحداث لرواية "حرب الكلب الثانية"، حرمتها من فرصة أن تعد عملاً يستحق التوقف أمامه، رغم أهمية القضية المطروحة، إلا أن ما لا يمكن التغاضي عنه، هو تعامل الكاتب مع أدواته وأحداث روايته ولغتها بالأسلوب سابق الذكر، مضيعاً عليها فرصتها لتمسك بتلابيب القارىء كما يجب، حيث طغت عليها روح الزمن الذي نقل إليه نصر الله قراءه، فبدت مثله تماماً، قد تعجب بها أو تسترق النظر لها، لكن يستحيل أن تقع في غرامها، كبعض المدن تماماً، وهذا بدوره مثل العالم الذي قدمه نصر الله في روايته هذه، مما يجعلنا نتساءل عما إذا كان قد تعمد تلك الـ"ثقوب".