24- نيفين الحديدي
فتوى خامئني بتحريم "النووي"... ورقة إيران المحروقة
يعاود النظام الإيراني اللجوء إلى الورقة المحروقة المرتبطة بـ"فتوى خامنئي" ضد الأسلحة النووية، في ظل تصاعد التوتر الحالي مع الولايات المتحدة، والتي غالباً ما يستخدمها النظام الإيراني في اللعبة السياسية مع الجانب الأمريكي.
و"فتوى خامنئي" ضد تصنيع الأسلحة النووية، سلاح يحركه النظام الإيراني، كلما لاح في الأفق إمكانية لاستئناف المفاوضات حول برنامج إيران النووي، وإبعاداً للتهمة التي تلاحق إيران، بالسعي وراء امتلاك أسلحة نووية.
وكان وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، زعم، الإثنين، أن "إيران لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية"، موضحاً أن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي "حظرها في فتوى".
وجاءت تغريدة ظريف على حسابه في تويتر، الإثنين، إبعاداً للتهمة التي تلاحق بلاده بالسعي وراء امتلاك أسلحة نووية، ورداً على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أن بلاده لا تسعى إلى تغيير النظام في إيران، بل إلى ضمانات لعدم حصولها على أسلحة نووية.
حقيقة الفتوى الإيرانية
وتشير معلومات مشكوك بها، إلى أن خامنئي أصدر عام 2003، فتوى حرم فيها استخدام أسلحة الدمار الشامل، وبعد عامين أعلنتها الحكومة الإيرانية في بيان رسمي خلال اجتماع للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا.
واعتبر الرئيس حسن روحاني، هذه الفتوى أكبر ضمان لطموحات إيران السلمية في أبحاثها النووية.
ووفق مقال سابق، للمحللة السياسية اللبنانية، هدى الحسيني، نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" عام 2013، فإن "النظام الإيراني يحرك الفتوى المتعلقة بالسلاح النووي، وفي كل مرة يشير إليها المتحدثون باسم النظام، يردون صدورها إلى سنوات مختلفة: 2005، 2007 أو 2012. لكن لم يقدم أحد نص الفتوى".
وتقول الكاتبة الحسيني، في المقال ذاته: "ربما يعتقد النظام الإيراني، أن تكراره لوجود هذه الفتوى يدفع العالم إلى القبول بها كحقيقة "ملموسة". الأمريكيون راغبون في تبينها، لكن الأوروبيين يرفضون تقبلها. وأول من أشار إلى وجود مثل هذه الفتوى، كان سايروس ناصري، في اجتماع لمجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 11 أغسطس(آب) 2005. بعد ذلك بدأ كبار شخصيات النظام يشيرون إليها".
وفي 12 أبريل(نيسان) 2012، عشية محادثات إيران مع الدول الخمس زائد واحد، وفي مقال نشرته "واشنطن بوست" الأمريكية، كتب وزير الخارجية الإيراني آنذاك، علي أكبر صالحي: "لقد سجلنا معارضتنا القوية، وفي عدة مناسبات، لأسلحة الدمار الشامل. ومنذ سبع سنوات تقريباً أصدر المرشد الأعلى تعهداً ملزماً، بفتوى دينية، تمنع إنتاج أو تكديس أسلحة الدمار الشامل".
تخبط وتناقض إيراني
وقبل يوم من نشر هذا المقال، قال رئيس القضاء الإيراني صادق لاريجاني: "إن الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى هي أفضل ضمانة للغرب بأن إيران لا تريد إنتاج أسلحة نووية". وكذلك فعلت وكالة الأنباء الإيرانية "مهر"، التي نقلت تصريح لاريجاني، وأضافت أن خامنئي أصدر فتوى يعلن فيها أن تكديس الأسلحة النووية واستعمالها حرام، وفق ما أوردت صحيفة "الشرق الأوسط".
في المقابل، كانت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" نشرت في 8 أبريل(نيسان) 2012، بالتفصيل، ما كان أشار إليه خامنئي سابقاً من منع لاستعمال الأسلحة النووية، من دون أن تأتي على ذكر أي فتوى صدرت عنه. هذا على الرغم من أن "إرنا" نشرت في أغسطس(آب) 2005، أن الممثل الشخصي الإيراني لمجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قدم تقريراً عن فتوى خامنئي (ليس الفتوى ذاتها) إلى مجلس أعضاء الوكالة، كوثيقة إيرانية رسمية. وتجدر الإشارة إلى أن "إرنا" بعد فترة سحبت هذا الخبر من موقعها على الإنترنت.
من جهتهم، يرفض الأوروبيون الاقتناع بوجود هذه "الفتوى" أو حتى الالتزام بها دولياً. وحسب مصدر مطلع، فإن مستشاري الدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن منذ عام 2005، تقدموا بطلب رسمي إلى النظام الإيراني ليرسل لهم نسخة من هذه الفتوى، لكن "حتى الآن لا جواب من النظام"، وفق صحيفة الشرق الأوسط.
وفي 16 فبراير(شباط) 2006، نقل موقع "رووز" الإيراني أن محسن غارافيان، أحد تلامذة آية الله مصباح يزدي، أشار إلى وجود "فتوى" تقول إن الشريعة لم تمنع استعمال الأسلحة النووية، لا بل تدعو إلى امتلاك هذا النوع من الأسلحة.
دور الدين في قرارات إيران
فيما تطرق تحليل، بعنوان "الفتوى النووية: الدين والسياسة في استراتيجية الانتشار التي تتبعها إيران"، نشر في منتدى السياسة في "معهد واشنطن" عام 2011، إلى تزايد القلق بشأن نوايا إيران النووية، وقد أصبح الأمر أكثر أهمية لواضعي السياسات في الولايات المتحدة، من ناحية فهم دور الدين في القرارات السياسية في إيران.
ويضيف التحليل، "في حين استشهد بعض المحللين ببعض الفتاوى، وبمختلف جوانب الفقه الإسلامي، لكي يجادلون بأن النظام الإيراني لا ينوي إنتاج وتخزين أو استخدام الأسلحة النووية، فإن الحقيقة، هي أن سياسة الجمهورية الإسلامية ليست مقيدة في النهاية بفتاواها السابقة، أو بتفسيراتها المطلقة للشريعة الإسلامية". وهناك اتجاهان في صنع القرار الإيراني يستحقان مراعاة خاصة:
- الطبيعة المتغيرة للفتاوى في التقاليد الشيعية: يتم تعريف الفتوى كرأي قانوني يطرحه فقيه إسلامي، آية الله، أو خبير ديني آخر، ولكل فتوى نفس الصلاحية الدينية بغض النظر من هو الآية الله الذي أصدرها. وعلى الرغم من أنه يتوجب على أتباع كل ملا الالتزام دينياً بفتاواه، إلا أن الفتاوى نفسها قابلة للتغيير، ولا يعتبر آيات الله معصومين من الخطأ. وتعتبر فتاواهم بمثابة إعلانات عن فهمهم لإرادة الله، وليس إرادة الله نفسها. وحتى آية الله الخميني، كان قد نقح بعض فتاواه بعد إجراء مناقشات. ولذلك، فإن الفتاوى الصادرة ضد إنتاج وتخزين أو استخدام الأسلحة النووية تخضع للمراجعة في المستقبل.
- إعطاء الأولوية لبقاء النظام وتفضيلها على الاهتمامات الإسلامية. لقد أسس الخميني رسمياً المبادئ السياسية لـ"مصلحة النظام"، أو المصلحة العليا للدولة، كمبدأ أسمى من القانون الإسلامي. ويكون الفقيه الحاكم، كرئيس للدولة، مخولاً بنقض القانون الإسلامي عندما يعتبر مثل هذا العمل ضرورياً لبقاء واستمرار الجمهورية الإسلامية. وبالتالي يمكن توقع قيام إيران باتخاذ إجراءات سياسية حول قضايا الأسلحة النووية، بهدف الحفاظ على مصالحها بحيث تكون متحررة من القيود التي تفرضها الشريعة الإسلامية.
عوامل أخرى لصنع القرار
وهناك عدة عوامل أخرى ضرورية لصنع القرار الإيراني، تُلقي الضوء على أنشطة الانتشار النووي التي يتبعها النظام. وفق التحليل الوارد في معهد واشنطن:
أولاً، إن "النصوص القانونية لإيران لا تحتوي على عبارات تحظر صراحة على إنتاج وتخزين أسلحة الدمار الشامل. وفي الواقع، إن القوة العسكرية هي عنصر أساسي في النظرة القانونية لعلماء الدين الإيرانيين. وتدور المناقشات الحالية حول مسألة الاستخدام، حيث يتمسك العديد من الفقهاء بالنظرة المتمثلة بأن نشر الأسلحة النووية جائز كملاذ أخير".
ثانياً، إن "الخداع هو مبدأ أساسي في الفكر السياسي الإيراني، ويؤكد معظم فقهاء إيران أن الكذب هو (فريضة) واجبة لتضليل الأعداء في الحرب. وبما أن إيران تعتبر أن برنامجها النووي أداة أساسية لجزم تفوقها في المنطقة، فإن أي تهديد محتمل من قبل الولايات المتحدة يصبح مبرراً للقيام بأنشطة خادعة وإنكار محاولات إيران لتطوير أسلحة نووية".
ثالثاً، إن "العزة الوطنية والرأي العام يلعبان دوراً صغيراً جداً في عملية صنع القرار التي يتبعها خامنئي. كما أن الموقف الرسمي لإيران منذ أيام الخميني، قد طرح القومية كهرطقة ضد الإسلام. وقد ذكر خامنئي، أن هوية إيران الوطنية هي إسلامية بشكل أساسي، بتقليله من قيمة الشأن الوطني لصالح مبادئ الشريعة الإسلامية".
شد وجذب بين أمريكا وإيران
وكان ترامب قال، الإثنين، إن بلاده لا تسعى إلى "تغيير النظام" في إيران، بل تريد إزالة الأسلحة النووية، واصفاً الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه باراك أوباما، عام 2015 بـ"الفظيع".
وأضاف ترامب، أنه منفتح على مفاوضات جديدة، وقال: "أعتقد أن إيران لديها الرغبة في الحوار، وإذا رغبوا في الحوار فنحن راغبون أيضاً"، في تصريح بدا الأكثر طمأنة لقادة طهران، منذ بداية التوتر الحالي، وقد يصلح مدخلاً مناسباً للحل.
ومن جهته، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، اليوم الثلاثاء، أن طهران لا ترى أي فرصة للتفاوض مع الولايات المتحدة، وذلك بعد يوم من تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحدث فيها عن إمكانية التوصل لاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي.
وقال عباس موسوي: "نحن الآن لا نرى مجالاً لأي مفاوضات مع أمريكا"، وفق ما أوردت وكالة "فارس" الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري.
تصاعد التوتر.. وتهديدات بالتدمير
وتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، منذ أن انسحبت واشنطن في مايو(أيار) 2018، من الاتفاق النووي المبرم في 2015، وأعادت فرض عقوبات مشددة على طهران.
وتزايد هذا التوتر أكثر، مؤخراً، بعد أن سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال حاملة الطائرات "أبراهم لينكولن" وطائرات قاذفة، كما أعلنت اعتزامها على إرسال 1500 جندي إلى المنطقة،
وجاءت خطوة واشنطن، بعد أن أعلنت الحصول على معلومات استخبارية، تفيد بأن طهران على وشكك تنفيذ هجمات ضد القوات أو المصالح الأمريكية.
وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إيران في تصريحات عدة بالتدمير الكامل، في حال أرادت الحرب.