حول تشييد أنقره آلاف المساجد في أكثر من مكان، كتب جون بيك، صحفي يركز في عمله على الشرق الأوسط، في موقع "ذا أتلانتيك"، أن تلك الجهود التركية ليست بريئة، وإنما تنفذ لخدمة أهداف أخرى.
بعض أئمة DITTIB قادوا صلوات تدعم التوغل العسكري التركي في منطقة عفرين السورية
ويستهل بيك مقالته بالإشارة لبناء مسجد في تيرانا، عاصمة ألبانيا، سيكون الأكبر في منطقة البلقان. ورغم أنه لن يفتتح قبل بضعة أشهر، فقد شغل المسجد ركناً من تيرانا، وبات يحجب بمساحته الكبيرة مبنى البرلمان المجاور. وبدا المبنى بجدران من حجارة صفراء تعلوه قبب ومآذن، مختلفاً عن أية مباني انشئت في نفس المكان.
سيطرة تركيةويشير كاتب المقال لتشابه هيكل المسجد مع العمارة العثمانية التقليدية، ولسبب وجيه، فقد مولته تركيا. وهو يأتي ضمن سلسلة من المساجد الكبيرة التي تبنيها حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل البلاد وخارجها. وقد شيد أحد تلك المساجد في أكرا، عاصمة غانا، وهو الأكبر في غرب أفريقيا. وبني آخر في بيشكيك، عاصمة قرغيزيا، الأكبر في وسط آسيا. ويقال إن تجمعاً في ميريلاند سيكون الأكبر من نوعه في غرب الكرة الأرضية.
وتمول أنقره ما لا يقل عن 2000 مسجد آخر من مختلف الأحجام، وتم التخطيط لبناء مساجد أخرى في مناطق كفنزويلا، حيث يدعم أردوغان حكومة نيكولاس مادورو المحاصرة، وكوبا حيث يزعم أردوغان أن بحارة مسلمين وصلوا إليها قبل كريستوفر كولومبوس. وحال اكتمال بنائها، سيبقى عدد من تلك المساجد تحت سيطرة أنقره، وستلقى – في عدد من المناطق ذات الجاليات التركية الكبيرة- نفس الخطب الأسبوعية التي تفرضها الدولة التركية، والتي تسمع في كل مدينة وبلدة وقرية تركية.
موجة انتقاداتويشير الكاتب لتوجيه قوى غربية موجة من الانتقادات إلى أردوغان، نتيجة ممارسات غير ديمقراطية وغير ليبرالية، وحيث تم تطهير واعتقال من يعتبرون أعداء محليين، وهوجمت مجموعات كردية مسلحة في كل من سوريا والعراق،
وتمت مخاطبة بنوك وقوى أجنبية بشأن مشاكل مالية خاصة بتركيا.
وحسب الكاتب، في الوقت نفسه، واصلت حكومة أردوغان تدريجياً حملة قوة ناعمة دولية، ومن أبرز نتائجها بناء مساجد. كما تدعم الحكومة التركية التعليم الديني، وبرنامج لترميم مباني من العصر العثماني، وعمليات اجتماعية ومساعدات واسعة النطاق. وقد رحب بتلك المساعدات معظم المستفيدين منها، ولكن يلاحظ أنه في ألمانيا بات يخشى من أن يعمق النفوذ التركي انقسامات طائفية خاصة بها، أو أن يكون وسيلة للتجسس.
آمالفي ذات السياق، قال سليم كورو، محلل لدى مركز أبحاث السياسة الاقتصادية إن أردوغان وحزبه الحرية والعدالة (AKP) بعلاقاته الوثيقة بجماعة الإخوان المسلمين، يأمل بأن "تصبح تركيا أكثر من مجرد بلد عادي، وأن تصبح شيئاً أعظم. وهم غالباً ما يعبرون عن تلك الآمال". وأضاف أن "الدين قد يثبت بأنه أداة أكثر فعالية من التواصل الثقافي التقليدي".
إلى ذلك، تتحكم بالمساجد في تركيا إدارة الشؤون الدينية، أو ديانت، وهي هيئة رسمية يعمل بها أئمة وتكتب الخطب الدينية وتصدر فتاوى. وتأسست تلك الهيئة في 1924، لكنها نمت بسرعة في ظل AKP لتصبح هيئة سياسية ذات طموحات عالمية. ويعمل في تلك الهيئة ما يزيد عن 100 ألف شخص، وبميزانية توسعت بمعدل أربعة أضعاف منذ 2006، خلال فترة أردوغان الأولى كرئيس للوزراء، لتصل إلى ملياري دولار هذا العام.
موضع جدلوما يلفت إليه الكاتب هو أن ديانت، من خلال الاتحاد التركي – الإسلامي للشؤون الدينية (DITTIB)، هيئة تركية رسمية أخرى، تدير 900 من أصل 2400 مسجد في ألمانيا. وتصف الهيئة نفسها بأنها محايدة سياسياً، لكنها كانت مثار جدل في عدة مناسبات. وفي العام الماضي، أشارت مجلة دير شبيغل الألمانية إلى أن بعض أئمة DITTIB قادوا صلوات تدعم التوغل العسكري التركي في منطقة عفرين السورية. وفي 2017، حققت السلطات التركية مع عدد من الأئمة بتهمة أنهم تجسسوا على أتباع فتح الله غولن، داعية إسلامي مقيم في ولاية بنسلفانيا تتهمه أنقره بتدبير المحاولة الانقلابية ضد أردوغان في 2016.
ويشير الكاتب لاجتماع أخير عقد في أنقره بين ماركوس كيربر، مسؤول رفيع في وزارة الداخلية الألمانية، مع رئيس مؤسسة ديانت وبعض مستشاري أردوغان. ويومها قال كيربر لنظرائه الأتراك" أتراكم هم اليوم أتراكنا". وقال كيربر إنه لمس على الفور حيرتهم وارتباكهم.