بعد اندلاع الحركات الاحتجاجية في سوريا، في مارس 2011، ظهرت مجموعة من الأسماء تحولت مع الوقت إلى أيقونات ارتبطت تصدّرت الاعتصامات والتظاهرات التي لفّت أغلب المدن والمناطق في الداخل السوري، وكان صوت المعارض عبد الباسط الساروت أبرز من احتل المنابر بأناشيده ودعمه لتحركات إسقاط الرئيس بشار الأسد.

واليوم السبت، نعت فصائل في المعارضة الساروت، الذي توفي متأثراً بجروح أصيب بها خلال مشاركته في المعارك ضد قوات النظام في شمال غرب سوريا.

وكان الساروت واحداً من عشرات القتلى الذين سقطوا خلال اشتباكات عنيفة مستمرة منذ مساء الخميس في ريف حماة الشمالي بين قوات النظام من جهة وفصائل المعارضة، في إطار التصعيد العسكري المستمر منذ نهاية أبريل (نيسان) لقوات النظام وحليفتها روسيا والميليشيات الإيرانية في جنوب محافظة إدلب ومحيطها.



جنة يا وطنا..حتى نارك جنّة
ولد ساروت في 1992، لعائلة نازحة من الجولان، استقرت في حي البياضة بمدينة حمص، كان يُعد ثاني أفضل حارس مرمى في قارة آسيا، وحارس المرمى الأساسي في منتخب سوريا للشباب، وحارس نادي الكرامة.

ومع اندلاع التحركات الاحتجاجية في سوريا، قرر التخلي عن حبّه لكرة القدم، والدفاع عن فكرته لمستقبل سوريا عبر قتال الجيش السوري، إلا أنه سرعان ما وجد بأن حنجرته قد تشكل صوتاً كانت الشوارع تفتقده أثناء الاحتجاجات، عبر تأليف الأغاني وتأديتها، وهذا ما ظهر أثناء تأديته لأغنية "جنة جنة جنة يا وطنّا حتى نارك جنة".



وفي منتصف 2011، اتهمت الحكومة في دمشق الساروت بإنشاء "إمارة سلفية" في حمص بدعم خارجي، الأمر الذي نفاه في أكثر من مناسبة.

تعرض في نهاية 2011 لمحاولة اغتيال، فأصيب بساقه بطلقات عدة وظل لفترة من الزمن يعاني منها ويظهر غير متوازن خلال التظاهرات، وفي تلك الفترة اشتدت رغبة النظام السوري بإسكات الأصوات المعارضة، فقتل المنشد إبراهيم القاشوش، ومن ثم أُعلن عن مكافأة بمليوني ليرة سورية لمن يساعد في القبض على ساروت.



من حارس مرمى 
وقبل اندلاع النزاع في سوريا في 2011، كان الساروت (27 عاماً) حارس مرمى المنتخب السوري للشباب لكرة القدم ونادي الكرامة الحمصي.

ومع بدء حركة الاحتجاجات، سارع الساروت إلى الانضمام إليها واضحى أحد أبرز الأصوات التي تقود التظاهرات بالأناشيد، لاسيما داخل مدينته حمص التي يعدها ناشطون "عاصمة الثورة" ضد الرئيس بشار الأسد.



حارس الثورة
واشتهر الساروت منذ بدايات الاحتجاجات بأناشيده الثورية الحماسية التي كان يشعل بها المظاهرات، فغنّى للجموع الملتهبة الغاضبة وفي وسطها، أناشيد تحولت لاحقاً - مع الساروت نفسه - إلى أيقونات وعلامات فارقة للثورة السورية في كل مدنها وبلداتها من الشمال إلى الجنوب، بحسب ما ذكره منشور للناشط هادي العبدالله، واشتهر لاحقاً بلقب "بلبل الثورة"، لاسيما مع إطلاق شعارات مثل "حرّية للأبد، غصباً عنك يا أسد".

ومع تحول التظاهرات إلى نزاع مسلح، حمل الساروت السلاح وقاتل قوات النظام في حمص قبل أن يغادرها في 2014 إثر اتفاق إجلاء مع قوات النظام بعد حصار استمر عامين للفصائل المعارضة في البلدة القديمة، خسر إثرها، وفق ما نشره المرصد السوري على موقعه الإلكتروني، والده وأربعة من أشقائه خلال القصف والمعارك في المدينة.



وفي 2014، روى فيلم "عودة إلى حمص" للمخرج السوري طلال ديركي، والذي نال جائزة في مهرجان ساندانس الأمريكي للسينما المستقلة، حكاية شابين من حمص أحدهما الساروت.

كما تضمن ألبوماً غنائياً جمع أناشيد راجت خلال التظاهرات في 2012، أغنية "جنه" بصوت الساروت. وطُبعت صورته على طوابع بريدية صممها ناشطون معارضون في 2012 لتوثيق حركة الاحتجاجات ضد النظام.



اللحظات الأخيرة
وظهر الساروت في شريطين مصورين عند تواجده على إحدى الجبهات، قبيل تعرضه للإصابة بساعات، حيث شارك في معارك الشمال السوري.

وبحسب حسابات سورية على منصات التواصل، أصيب الساروت بنزيف حاد تمَّ إخضاعه على إثرها لعملية جراحية فورية لمعالجة تمزّق الأوعية الدموية جرّاء الشظايا، إضافة لإصابته بكسور في الجسد.



ونقل موقع "عنب بلدي" الإلكتروني، أن ساروت كان نقل إثر إصابته إلى تركيا وتمت إعادته في الساعات الماضية إلى الداخل السوري، من دون إعطاء المزيد من التفاصيل.

ونعى فصيل "جيش العزة"، الذي ينشط في ريف حماة الشمالي ويضم مئات المقاتلين، الساروت على تويتر، وكتب قائده جميل الصالح "في سبيل الله نمضي ونجاهد الله يرحمك ويتقبلك من الشهداء"، مرفقاً التغريدة بفيديو قديم للساروت ينشد فيه أغنية مردداً "راجعين يا حمص (...) راجعين يا الغوطة" الشرقية.



ونعى ناشطون معارضون سوريون الساروت على منصات التواصل الاجتماعي، إذ غرد الباحث والمعارض أحمد أبازيد على حسابه على تويتر "عبد الباسط الساروت شهيداً.. حارس الحرية وأيقونة حمص ومنشد الساحات والصوت الذي لا ينسى في ذاكرة الثورة السورية شهيداً".

وقال المعارض في الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة هادي البحرة على تويتر "الشاب عبد الباسط الساروت سيبقى حياً، اختار وعقد العزم، واستشهد على أمل أن يتحقق حلم السوريين".

وتعد مسيرة حياة الساروت أيقونة بارزة من معالم الاحتجاجات في سوريا كونه انتقل من متظاهر ومنشد سلمي يطلب الكرامة والحرّية، إلى مقاتل وقائد لإحدى الكتائب التي قُتل معظم شبّانها وهم يحاولون فكّ الحصار عن مدينتهم، إلى مواكب لتحوّلات الهويّات القتالية والمقترب لفترة من التطرف وراياته السوداء، ثم المبتعد عنها والعائد إلى ريف حماه الشمالي لقتال عدوه الأول وحلفائه الإقليميين، وصولاً اليوم إلى مقتله.