تطرق الصحافي التركي سميح إيديز إلى المناورة التي يستخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع تركيا والتي قد لا تصب لصالح أنقرة في نهاية المطاف. وكتب في موقع "سيغما تركيا" أنّ الجيشين العثماني والقيصري خاضا العديد من الحروب خلال تاريخيهما الإمبريالي وانتهت جميعها بانتصار روسيا، وهو نمط خلق رهاباً مستمراً من روسيا لدى الحكام الأتراك المعاصرين.
2025: أكانت تركيا لا تزال جزءاً من الحلف أم لا، ستكون قد أسست علاقات دفاعية مع روسيا لا يمكن التراجع عنها، مع رِجل في بروكسل وذراعين متمسكتين بموسكو
أشار إيديز إلى أنّ الثقافتين تدعمان التنافر المتبادل بين الدولتين. في اللغة الروسية، تستخدم كلمة "توركي" للحديث عن ضيف عن غير مدعو وكلمة "تورك" تعني "الجاهل". أمّا اليمين التركي الذي يشمل 65 إلى 70% من السكان، فيستخدم عبارة "موسكوف غافورو" قاصداً منها "روسي". وتترجم العبارة ب "كافر من موسكو".
في صيف 2015، بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يظهر علناً إشارات إحباط من حماية روسيا لعدوه الرئيس السوري بشار الأسد. رد بوتين عبر تفعيل لعبة شطرنج ذكية. وطرأت مجموعة تطورات صنعت مناورة بوتين التركية.
لم يكن خطأه الاستراتيجي الأولمن أواخر صيف 2015 وحتى الربع الرابع من السنة نفسها: لم تكثف المقاتلات الروسية طلعاتها وحسب بل خرقت عمداً الأجواء التركية فاستفزت الأتراك كي يردوا عسكرياً. لو امتنع أردوغان عن الرد، لكان أصيب بالإحراج أمام أمة منقسمة فيما كان متوجهاً إلى الانتخابات للمرة الثانية في خمسة أشهر. في شهر يونيو (حزيران)، خسر أردوغان الغالبية البرلمانية للمرة الأولى منذ مجيئه إلى الحكم سنة 2002.
في مواجهة الاعتداء الروسي، غيّر رئيس الحكومة السابق أحمد داود أوغلو الواثق من نفسه قواعد الاشتباك العسكرية للسماح بإسقاط أي مقاتلة أجنبية تخرق الأجواء. عبر فعل ذلك، ظن أوغلو أنّه أنهى الوجود العسكري العدائي في شمال سوريا وفتح ممراً للجهاديين المدعومين من أنقرة كي يسيروا نحو دمشق ويعدموا الأسد. لم يكن ذلك أول خطأ استراتيجي له.
خطوة لإذلال أنقرةنوفمبر (تشرين الثاني) 2015: استخدم بوتين التكتيك العسكري الروسي القديم باختبار المدى الذي قد يذهب إليه أردوغان، فضمن أن تكون الخسارة الروسية بحدها الأدنى. أرسل مقاتلة سو-24 للتحليق في مسار مثير للجدل على امتداد الحدود التركية-السورية. كما توقع، أسقطتها تركيا وأصبحت بذلك أول دولة من حلف شمال الأطلسي تقدم على الخطوة بعد الحرب العالمية الثانية. حتى قبل نهاية الاحتفالات، أدرك أردوغان وداود أوغلو أنهما وقعا في مشكلة وأنّ ثمناً كان يجب دفعه بشكل من الأشكال.
فشلت جهود ديبلوماسية أولية لتحسين العلاقات. في خطوة لإذلال أنقرة، أرسل بوتين مقاتلة أكثر تقدماً، سو-34، إلى الحدود التركية للمزيد من خرق الأجواء. لم يفعل داود أوغلو أي شيء، هو الذي تعهد بإسقاط المزيد من المقاتلات الروسية إذا كررت أفعالها.
تراجع قبل لعب ورقتها الأقوىأوائل 2016: كشفت روسيا لائحة طويلة من العقوبات الاقتصادية والتجارية على الشركات التركية وأدخلت نظام تأشيرات كان صعباً جداً على الأتراك العاديين تخطيه. حظرت موسكو على المواطنين الروس السفر إلى المنتجعات التركية وهددت تجمعات الأعمال التركية الضخمة والعاملة في مجال البناء داخل روسيا. وهددت أيضاً بطرد آلاف العمال الأتراك من البلاد وذكرت حتى احتمال حصول "رد انتقامي عسكري". قبل أن تلعب روسيا ورقتها الأقوى، أي موقعها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي، تراجع أردوغان. وأدى سوء الإدارة الاقتصادية إلى أن تؤثر العقوبات الروسية على الاقتصاد التركي بما يقارب 15 مليار دولار.
تخيلاته النيو-عثمانية والإخوانيةيونيو (حزيران) 2016: أردوغان الذي يواجه خصومه عادة أظهر نفسه براغماتياً عند الحاجة وأرسل اعتذاراً مكتوباً لبوتين. لم يكن ذلك كافياً. إن كان على أردوغان تفادي الأعمال العدائية الروسية فقد وجب عليه أن يربط سياسة بلاده السورية بالسياسة الروسية بشكل كامل. أدرك أردوغان متأخراً أنّ ما تخيله سابقاً كأرض سورية نيو-عثمانية صديقة لتركيا ومصالحها، مع حماس والإخوان المسلمين، أصبح أرضاً تسيطر عليها روسيا كما أنّ الأسد كان يسترد الكثير منها على الرغم من سنوات الدماء والدموع والموارد المكثفة.
الصمام المزعجانعطافة: قرر أردوغان الاستفادة القصوى من هذه الكارثة عبر استخدام علاقة الحب المكتشفة حديثاً مع موسكو ضد الغرب. وإذا رفض الأخير تأييد المصالحة الروسية-التركية، احتفظت أنقرة دوماً بخيار "الصمام المزعج": التهديد بإرسال ملايين اللاجئين إلى أوروبا.
فاعلية المناورةديسمبر (كانون الأول) 2017: أعلن المسؤولون الأتراك أنّ أنقرة ستشتري صواريخ أس-400 الروسية بحوالي 2.5 مليار دولار. هي تعلم أنّه من غير المرجح تصديق الأمريكيين وحلفائهم إمكانية أن تكون هذه المنظومة فعالة وحدها، وأنها لن تهدد مقاتلات أف-35 أو أنظمة أطلسية أخرى وأنها ستكون خاضعة حصراً للجنود الأتراك لا الروس. لكن ليس لدى تركيا رغبة في التعرض للعقوبات الروسية مرة أخرى.
في إشارة إلى فاعلية مناورة بوتين التركية، هنالك تصدع كبير في الحلف الأطلسي، بما أنّ تركيا تصر على أنها ستستخدم أس-400 وأف-35 على أراضيها. إنّ شراء المنظومة الروسية هو قرار سيادي تركي بطبيعة الحال، ولا يمكن الناتو تحديه. لكن بإمكانه تحدي مشاركة تركيا في مشروع بناء أف-35 ولديه خيار طرد تركيا من التحالف الدولي المشارك فيه.
الشرخ قد يتوسع2019 أو 2020: تفتتح تركيا محادثات مع روسيا لإيجاد بديل مؤقت للمقاتلات من أجل توفير حل للمتطلبات التركية العسكرية. لا يستطيع الأتراك تحمل تعريض ردعهم الناري والجوي للخطر. إن تحقق، فسيدفع برنامج المقاتلة تركيا أكثر إلى المدار الدفاعي الروسي ويوسع الشرخ داخل الناتو مما سيطلق حملات داعية لطرد تركيا منه.
ماذا بعد ست سنوات؟2025: أكانت تركيا لا تزال جزءاً من الحلف أم لا، ستكون قد أسست علاقات دفاعية مع روسيا لا يمكن التراجع عنها، مع رِجل في بروكسل وذراعين متمسكتين بموسكو.
قد تنتهي المناورة التركية بشكل جيد لأردوغان، وقد لا تنتهي كذلك، لكنّها بالتأكيد جيدة لبوتين.