"الوقود من أجل نفوسنا كان ضرورة أساسية"، هذا ما قاله أحد مؤسسي مكتبة داريا السرية، التي تأسست عام 2013، بعد أن تمكن شبان سوريون في مدينة داريا جنوب غرب دمشق، من إنقاذ آلاف الكتب من المنازل المدمرة إثر الحرب.

يقول الصحافي مايك طومسون، الذي كرس أشهراً طويلة لإجراء مقابلات مع مؤسسي المكتبة، أثناء تغطيته للحرب الدائرة في سوريا منذ 2013، إنه على الرغم من الدمار والأذى والمخاطر، تمكن هؤلاء الشبان الذين يعيشون في بقعة محاصرة من قبل النظام السوري، من تجميع آلاف الكتب حيث قاموا بلفها في بطانيات تماماً كما يفعلون مع ضحايا الحرب.


تحت الأنقاض
وأشار طومسون في كتابة "مكتبة سرية في سوريا"، وكتبت عنه صحيفة نيويورك تايمز، إن الكتب أحضرت إلى الطابق السفلي لأحد المباني التي تحطمت فيه الطوابق العليا إثر القصف، وتم إنشاء تلك المكتبة السرية في داريا، حيث أن مجموعة الكتب السرية هذه المحاطة بأكياس رملية باتت بمثابة واحة طبيعية وسط بحر من الدمار الذي يعيشه السوريون منذ نحو 8 سنوات.

وكما يروي طومسون، كان كبير أمناء المكتبة المعين ذاتياً، وهو أمجد البالغ من العمر 14 عاماً، يُدون في ملف كبير أسماء الأشخاص الذين استعاروا الكتب، ثم يعود إلى مقعده لمواصلة القراءة، وكان تحيط به آلاف الكتب التي وضعت بعناية على الأرفف.


نشاطات وورش
وبالإضافة إلى إمكانية استعارة الكتب والقراءة في أرجائها، تستضيف المكتبة نادياً أسبوعياً للقراءة، بالإضافة إلى ورشات ودروس في اللغة الإنكليزية والتاريخ والرياضيات والعلوم، ومناقشات حول الأدب والدين.

ويشير التقرير إلى أن الإعلان عن أنشطة المكتبة دون المساس بأمنها كان بمثابة معضلة أمام مؤسسيها، حيث اعتمد المستفيدون على الكلمات الشفهية بطريقة شبه سرية، خوفاً من أن يستهدفها الجيش السوري.


ظروف مأساوية
أثناء إنشاء المكتبة، كانت مدينة داريا، أحد المواقع الرئيسية التي حدثت فيها الانتفاضة المناهضة للنظام، وكانت تحت الحصار من قبل الجيش لأكثر من عام، وواجه سكانها البالغ عددهم 8 آلاف، قصف شبه مستمر ونقص في الغذاء والماء والطاقة.

وتفاقم الوضع في عام 2014 عندما أقام تنظيم داعش الإرهابي عاصمته المزعومة في الرقة، واستمر في غزو مناطق شاسعة من سوريا والعراق، وبالطبع كان الإرهابيون يدفعون بالسكان للانضمام إليهم، ولم يكن لدى العديد من الآباء فكرة عن الوظائف التي يشغلها أبناؤهم حتى فوات الأوان. يقول همّام، وهو متطوع في المكتبة، إن "الجهل هو دائماً عدو للإنسانية".


ضرورة حياتية
تم رفع الحصار عن داريا في عام 2016، بعد احتجاجات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك رسالة مفتوحة وقّعت عليها 47 امرأة في داريا، إلى جانب حقيقة أن المدينة كانت مليئة بالمدنيين، وليس بالإرهابيين، كما تدعي الحكومة.

يقول أحد مؤسسي المكتبة إن "الوقود من أجل نفوسنا كان ضرورة أساسية"، وقال آخر وهو طالب طب أسنان، إن "الكتب تساعدنا على فهم العالم الخارجي بشكل أفضل".


مستقبل أفضل
قد يساعد هذا التقرير العالم الخارجي، على فهم السوريين بشكل أفضل، حيث أن التاريخ الأدبي الثري للبلاد طغت عليه اضطرابات الحرب الأهلية، ومكتبة داريا السرية هي شهادة على سعي الشعب السوري الطويل للمعرفة في السراء والضراء، ومثل العديد من السكان الآخرين في مناطق الصراع في سوريا، فإنهم "يحلمون بمكان للتخطيط لمستقبلهم دون رصاصات وقنابل"، بحسب طومسون.


وهذه ليست المرة الأولى التي تلفت فيها مكتبة داريا الأنظار ووسائل الإعلام، حيث قامت مراسلة صحافية تابعة لصحيفة لو فيغارو الفرنسية في إسطنبول، بإعداد مادة فلمية حول مكتبة داريا، وفاز بالجائزة الكبرى في مهرجان فيغرا للأفلام الاستقصائية.

ويتناول الفيلم مغامرة مدهشة حول قصة شباب من داريا أتتهم فكرة مجنونة تقضي بجمع الكتب من تحت الأنقاض وتأسيس مكتبة تحت الحصار، وبين الفيلم كيف أن تلك الكتب أنقذت حياة هؤلاء الشباب وأعطتهم الأمل بغد أفضل.