تبدي أنقره استعدادها لاتخاذ مزيد من الخطوات الاستفزازية والخطيرة في مياه قبرص، لأنها تعتبر الموقع الاستراتيجي للجزيرة وثرواتها من الغاز حاسم لمواجهة خصومها وتأمين مصالحها في المنطقة.

مواجهة هذه الكتلة الناشئة، يحتمل أن تواصل تركيا تأكيد نفسها في شرق المتوسط لتحقيق مصالحها في الطاقة والأمن
ويشير سونر كاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية لدى معهد واشنطن، للقاء ثالث، عقد في 5 أكتوبر(تشرين الأول)، في أقل من ثلاثة أشهر بين وزيري الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ونظيره اليوناني نيكوس ديندياس. وفي مؤتمر صحفي مشترك عقب اللقاء، أكد بومبيو أن واشنطن حذرت تركيا من "عمليات حفر غير مشروعة" في شرق المتوسط، وأنها ستعمل على تطبيق قوانين دولية في هذا الشأن.

قضية شائكة
ويأتي التحذير الأمريكي في وقت عادت القضية القبرصية لتشكل نقطة شائكة بالنسبة لأنقره. فمنذ الحرب حول الجزيرة في 1974، لم تقم علاقات ديبلوماسية بين الحكومة التركية وحكومة قبرص المعترف بها دولياً. ولكن أثير، خلال السنوات الأخيرة، احتمال وقوع مواجهة عسكرية بعد اكتشاف حقول نفط وغاز عند شواطئ قبرص.

وتشكك أنقره في تراخيص تنقيب منحتها السلطات القبرصية اليونانية في نيقوسيا لشركات طاقة عالمية تعمل في تلك المناطق، بدلاً من دعم جهود التنقيب من قبل "جمهورية شمال قبرص" التركية.

ومن المعروف أن تركيا هي البلد الوحيد في العالم الذي يعترف ب"جمهورية شمال قبرص" التركية، التي تسيطر على القسم الشمالي من الجزيرة، وتعمل حالياً مع أنقره لاستكشاف المياه الجنوبية حيث توجد معظم حقول النفط.

ولتعزيز موقف "جمهورية شمال قبرص"، أرسلت أنقرة سفن حفر خاصة بها وسفناً حربية نحو حقول الغاز، مما أثار انتقادات من اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي، الذي يضم أثينا ونيقوسيا ضمن عضويته، وكذلك لاعبين إقليميين مثل إسرائيل ومصر. ورداً على ذلك، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن أنقره ستواصل "وبحزم" جهود الاستكشاف وحتى لو تم الإعلان عن مناطق محظورة للسفن القبرصية اليونانية في المياه الإقليمية.

استعراض قوة
ويشير كاتب المقال إلى تسبب تلك الحالة بمواجهات بين سفن تابعة للبحرية التركية وسفن تنقيب تعاقدت تابعة لشركات طاقة دولية منحتها نيقوسيا تراخيص.
وتنبع سياسة أنقره الاستفزازية من مخاوفها بشأن محاصرتها من قبل خصوم في شرق المتوسط، بعضهم قدامى (اليونان وقبرص)، وآخرون جدد (إسرائيل ومصر). وعلى ما يبدو، يعتقد أردوغان أنه قادر على تقويض ما يفترض أنه "محور معادٍ لتركيا" عبر التدخل في مناطق بحرية عند أضعف حلقاته، قبرص، وهو نهج يتماشى مع سياسته الخارجية العدوانية في المناطق المجاورة (تدخله الجاري في سوريا، على سبيل المثال). وخلافاً لأسلافه، يشعر أردوغان بأنه مخول بتحقيق مصالح تركيا من جانب واحد، وحتى لو كان الثمن عزلة إقليمية.

مصالح قديمة
ولكن وفقاً للكاتب، لتركيا مصالح عسكرية واستراتيجية قديمة لتأكيد نفسها في شرق المتوسط. فما زالت بحريتها تفتقر للقدرة على استعراض القوة خارج مياهها، ما يجعل عدداً من صناع السياسة في أنقره ينظرون إلى قبرص باعتبارها امتداداً للقوة البحرية التركية في المتوسط. وإلى ذلك، تعتمد تركيا علي واردات الغاز بسبب قلة مواردها الطبيعية نسبياً من الطاقة. وتبلغ فاتورتها السنوية لقاء استيراد الغاز حوالي 30 مليار دولار، ما يجعلها أكثر رغبة باستكشاف فرص العثور على الغاز حول قبرص.

محور المتوسط
وباستثناء قبرص، لا يمكن وصف علاقات أنقره بلاعبين رئيسيين في شرق المتوسط، وخصوصاً إسرائيل واليونان ومصر، بالودية. فقد استعادت تركيا وإسرائيل علاقات رسمية في 2016 بعد انقطاعها إثر حادثة أسطول الحرية لعام 2010، ولكن دعم أنقره لحماس في غزة ما يزال يقوض إقامة علاقات ثنائية. وعلى نفس المنوال، فمع أن تركيا واليونان، حليفان في الناتو، أوشكا الدخول في حرب، وهما اليوم ليسا صديقين.

وفي الوقت نفسه، تردت في 2013 العلاقات التركية – المصرية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، بسبب دعم أنقره لحكومة الإخوان المسلمين في القاهرة.

وعلى الجانب العسكري، يلفت كاتب المقال لخطة وضعتها القاهرة، في عهد مرسي، مع أنقره لتنفيذ مناورات بحرية مشتركة في شرق المتوسط، ولكن تم إلغاء تلك التدريبات بسبب خلع مرسي.

وفي المقابل، بدأت مصر، منذ 2015، في المشاركة بتدريبات جوية مشتركة مع اليونان(تدريبات ميدوسا) في المنطقة. وأجريت أولى تلك التدريبات فوق جزيرة رودس اليونانية، على بعد 18 كيلومتراً من الساحل التركي. وبدأت قوات قبرص بالمشاركة في تدريبات ميدوسا في 2018، وأجرت، بشكل منفصل ثلاث جولات من التمارين المشتركة مع إسرائيل، في بداية العام الحالي.

ويختم الكاتب رأيه بالإشارة إلى أنه، في مواجهة هذه الكتلة الناشئة، يحتمل أن تواصل تركيا تأكيد نفسها في شرق المتوسط لتحقيق مصالحها في الطاقة والأمن، حتى لو كان ذلك على حساب تعزيز علاقاتها مع واشنطن.