كان اليوم الأخير من عروض "مهرجان المسرح العربي" مُخصصاً للعرض السوري "ليلي داخلي"، من إعداد وإخراج سامر محمد إسماعيل، عن نصّ لماركيز، بأداء روبين عيسى وبسام البدر، على مسرح القاعة الثانية في "معهد الشارقة للفنون المسرحية"، والذي عُرض خارج المسابقة، قبل أن ينتقل الجمهور إلى مسرح "قصر الثقافة" لمشاهدة العرض التونسي "ريتشارد الثالث"، الذي فاز بجائزة أفضل عرض مسرحي في المهرجان.

كثيرون كانوا يتطلّعون إلى العرض السوري ويترقّبونه، مدفوعين بعوامل عديدة مسرحية، اتكاءً على السمعة المميزة التي حققها المسرح السوري، بتجاربه المتعددة، وأجياله المتتالية، منذ ستينيات القرن العشرين حتى اليوم، وبعوامل غير مسرحية، بالنظر إلى الواقع السوري الراهن، والحالة المأساوية التي تشهدها سوريا.

لم يخيّب عرض "ليلي داخلي" التوقّعات، إذ جاء على قدر من الجرأة شكلاً ومضموناً، في تصاعد درامي مدروس (دراماتورغ خليل صويلح)، ينطلق مع لحظة توثّب الزوجة لقدح شرارة المكاشفة التي تجد أن لابد أن تقوم بها، في ذكرى زواجها العاشر، وماعاشته من خيبات نفسية وجسدية، مادية ومعنوية، ولكنه سيفيض فيما بعد ليتحوّل من الخاص إلى العام، ومن الهمّ الفردي إلى المأساة الجمعية، في إشارات واضحة الدلالات، تتفجّر في نهاية الكلام، وتفصح عن الكثير دون أن تقوله.

انتهى العقد الأول من الزواج، وبات من الضروري للزوجة أن تقف متأمّلة التجربة، تقرأها تفصيلاً بعد آخر، وترصد تحولاتها ومتغيراتها، والهاوية التي انتهت إليها الحال. مونولوج طويل تنزفه الزوجة (روبين عيسى في أداء باهر)، فيما الرجل (بسام البدر) يجثم على كرسيه صامتاً منحوتاً من صخر. لن ينطق بكلمة، وسيكتفي بالعبث بجهاز كومبيوتره، وصفحة فيس بوك تحتل صدر المشهد، ويتناوب على إيقاد سيجارة تلو أخرى، ورشف كأس بعد أخرى.

احتراقان يتأجّجان على خشبة المسرح. وعلينا الانتباه هنا، إلى أن عبارة "ليلي داخلي"، ذاتها، تحمل دلالات السرية والحميمية والخصوصية، كما تتضمّن إشارات البوح الأليم ونفث الآهات الحرّى وتسبيل دموع. وهذه الساعة، من هذه الليلة، التي هي زمن العرض، تتحوّل إلى محاكمة عُمْر كاملاً، بما كان وسيكون، وبكل ما مرّ به في محطاته التي مضت، وأفضت إلى الآن وهنا.

ومع اعتماد العرض على صوت واحد، يتحدث طيلة الوقت، هي الزوجة التي تمضي في مونولوجها الطويل حتى النهاية، مقابل صمت الزوج المستقر، أثّث المخرج المساحة السمعية البصرية بوسائل متعددة، تمكّنت من إثراء العرض بالموسيقى والأغاني، بالتمازج مع الشاشة الكبيرة، التي أخذت واجهة الفضاء المسرحي، ليعرض عليها صفحة فيس بوك خاصة بالزوج، ومن ثم صوراً فوتوغرافية، ومقاطع فيديو، انتهاء بمقاطع فيلمية من أفلام سينمائية سورية، تناغمت جميعها في تصاعد هارموني مؤثّر، انتقل معها العرض من كونه مأساة امرأة، إلى مرثية وطن.