الاتحاد - عبدالله الجنيد
معضلة فائض القوة
التفوق أو عنصر "فائض القوة" Overmatch، كان عنوان مقال مطول نشر على موقع "النيويوركر"، للكاتبة "روبن رايت" والمختصة في العلاقات الدولية. المقال حوى تفاصيل دقيقة لواقع مباحثات فيينا من منظور روبرت مالي، وهو المبعوث الأمريكي المعني بالملف الإيراني، "ويعتبر مهندس الاتفاق مع إيران في عام 2015". أما الآخر "العسكري"، فقد تناولت الكاتبة تحديات البعدين الأمني والعسكري من منظور قائد المنطقة الوسطى، الجنرال كينيث مكنزي.
بالطبع حوى المقال آراء وشهادات لمختصين آخرين من المنطقة، إلا أن مداخلات روبرت مالي والجنرال مكنزي مثّلا ما هو غير متاح للقارئ من داخل مؤسسة صنع القرار الأمريكي. وبالعودة لمصطلح "التفوق Overmatch" الذي استخدمه الجنرال مكنزي في تفسير محدودية الخيار العسكري في احتواء إيران، وخصوصاً نتيجة تطور منظومتها الصاروخية (الجوالة/ البالستية)، ذلك بالإضافة لهشاشة الحالة السياسية في جغرافيا تمتد من الحدود الإيرانية إلى المتوسط، واليمن جنوب شبه الجزيرة العربية، وكلها إيرانية الهوى سياسياً.
روبرت مالي حاول عبر شهادته الخاصة إظهار واقع الحال أو شبه انسداد أفق التوصل لحل مُرض لجميع الأطراف لدرجة تناول "فرضية" رفع جميع العقوبات عن إيران إن كان ذلك يضمن أمرين، أولاً العودة غير المشروطة لاتفاق 2015، وانخراط إيراني جاد في ملفي سلوكها السياسي وبرامجها العسكرية. إلا أن لسان حال المبعوث الأميركي "ملعون إن فعلت أو لم تفعل Damn If Do، Damn If I Don't". الجنرال مكنزي اختزل الموقف "لقد فشلنا في احتواء إيران"، وذلك هو التصريح الأمريكي الأول بواقع فشل السياسات الأمريكية تجاه إيران منذ المحاولة الفاشلة لتحرير الرهائن في أبريل (نيسان) 1980.
والفشل هنا سياسي نتيجة سوء بنية التخطيط الاستراتيجي، وقد اختزل كبير مستشاري "مركز الأطلنطي"، هارلن أولمان ذلك باقتدار في مقال مشترك نشر على موقع "UPI" بتاريخ 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بعنوان "Grading America". واستمرار حالة التأزم في أكثر من ملف عابر للمحيطات نتيجة التضاد القائمة بين الكتل الكبرى يُعد الامتحان الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. دخول منطقة الشرق الأوسط حالة من سباق التسلح ليس بالأمر الجديد، إلا أن وجود مشتركات كبرى بين دول المنطقة، وخصوصاً منذ التوقيع على المواثيق الإبراهيمية، قد قاد للتخفيف من حالة الاحتقان في بعض الملفات، والتحول في مفهوم الدبلوماسية الاستباقية لدول الخليج العربية مثل نوعاً آخر من احتواء الأزمات والتقليل من حدة التوتر في أخرى.
وقد تعد زيارة مستشار الرئيس للأمن القومي جيك سوليفان لكل من إسرائيل والضفة الغربية نوعاً من الاستدراك السياسي من قبل إدارة الرئيس بايدن لقيمة تفعيل المواثيق الإبراهيمية من المنظور الاستراتيجي، دون فرض لوجهة نظر واشنطن. ويعد لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس بوزير الدفاع الإسرائيلي بني غانتس إحدى ثمار ذلك التوجه إنْ صدق الحَدس.
قال صديق أمريكي: "يجب أن تثق بأن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات، وهي قادرة على تجاوز عثراتها". أنا اتفق مع ذلك الصديق الحكيم في أن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات، إلا أن أدوات صياغة الرؤى الاستراتيجية وصناعة السياسات قد انتجت ثقافة بخلاف مقاصد الآباء المؤسسين للجمهورية وأقرب للحالة في فيلم (لا تنظر للأعلى Don't look UP). كل عام وأنتم بألف خير 2022.