وصف موقع "ذي إنترسبت" الأمريكي قرار الرئيس جو بايدن بتجميد 7 مليارات دولار من الأموال الأفغانية في البنوك الأمريكية بـ "قتل جماعي" لمزيد من الأفغان وأسوأ مما سبّبته الحرب التي استمرت 20 عاماً.
كيف يعتقد الغرب أنهم يساعدوننا، عندما لا نستطيع إطعام عائلاتنا؟
وكتب الصحافي أوستن ألمان، أن بايدن يسحق الاقتصاد الأفغاني بمصادرة 3.5 مليارات دولار من أموال شعبه وتحويل 3.5 مليارات دولار أخرى لصندوق ائتماني أمريكي "لصالح الشعب الأفغاني".
فالأصول، التي جمدت في البداية بعد سيطرة طالبان على البلاد في أغسطس (آب)، ضرورية للسيولة المالية والوظائف الأساسية للاقتصاد. وبعد رفض الإدارة الأمريكية الراسخ لإعادة الأصول إلى البنك المركزي، سيعتمد الشعب الأفغاني على المساعدات الإنسانية في المستقبل المنظور، وهي مساعدات غير كافية لمنع التدهور السريع في الظروف المعيشية التي يواجهها الأفغان.
ازدياد الأوضاع سوءًاأدى الاستيلاء على أموال البنك المركزي الأفغاني إلى توقف النشاط الاقتصادي. وفقد الناس إمكانية الوصول إلى الأموال في البنوك، وبات موظفو الحكومة والمعلمون بلا رواتب، ويعجز المستوردون عن الوصول إلى رأس المال لتلبية الاحتياجات، ولا يمكن للمصدرين أيضاً الوصول إلى رأس المال للحفاظ على سير أعمالهم، وانهارت قيمة العملة الأفغانية، وأصبح التضخم أكثر حدة في أفغانستان مقارنة مع بقية العالم.
وقال شاه محرابي، أستاذ الاقتصاد في كلية مونتغومري وعضو المجلس الأعلى للبنك المركزي الأفغاني: "كل احتياطيات النقد الأجنبي في الولايات المتحدة وأوروبا للشعب الأفغاني. إن قرار الإفراج عن جزء فقط من الأموال سيستمرّ في إلحاق الضرر بملايين الأطفال والنساء والأسر الأفغانية الذين يعانون من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم".
حافة المجاعةوأكد ألمان أنه في الأشهر القليلة الماضية، بينما ناقش الديمقراطيون في مجلس النواب صياغة الخطابات وامتناع أعضاء مجلس الشيوخ عن طرح أسئلة عن مسؤولية أمريكا عن الأزمة، تطور الوضع على الأرض في أفغانستان بسرعة.
أكدت العديد من المنظمات الدولية أن هذه الظروف دفعت حوالي 10 ملايين أفغاني إلى حافة المجاعة. وللبقاء على قيد الحياة، يُحرق الأفغان أثاثهم وممتلكاتهم الأخرى للتدفئة، أو يبيعونها مقابل الطعام.
وبعد أن مهدت الأعوام العشرين من الحرب، والجفاف الطويل غير المنتظم، والشتاء القاسي، الطريق للأزمة، قال ألمان إن السبب المباشر لمعاناة الشعب الأفغاني هو الاستيلاء على الأصول الأفغانية، إلى جانب العقوبات التي فرضتها الحكومة الأمريكية.
ورغم عرض إدارة بايدن مساعدات إنسانية بـ 308 ملايين دولار، ووضع سياسات لتسهيل إيصال المساعدة، إلا أن ألمان اعتبر أن الاستيلاء على أصول بمليارات الدولارات مملوكة بشكل شرعي للشعب الأفغاني، الذي يعيد التكيف مع الحياة في ظل حكم طالبان القاسي، لم يترك له سبيلاً لبناء اقتصاد مستدام وقادر على استيراد الغذاء والوقود الضروريين للبقاء على قيد الحياة في بيئة البلاد القاسية.
استجابة أمريكية بطيئةوكان أعضاء الكونغرس بطيئين في استيعاب آثار سياسة إدارة بايدن في المنطقة. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وجه أكثر من 40 نائباً رسالة إلى الإدارة شدّدت على الحاجة إلى "صحوة ضمير وتعديل السياسة الأمريكية الحالية بتجميد الاحتياطيات الأجنبية لأفغانستان والعقوبات المستمرة".
في الأسبوع الماضي، رعت النائب براميلا غايابال،ديمقراطية عن ولاية واشنطن، زعيمة التكتل التقدمي في الكونغرس، تعديلاً لقانون "أمريكا كومبيتس" حول العقوبات.
ورغم أنها لم تطالب بإنهاء نظام العقوبات الأمريكية، إلا أنها وضعت الأساس للكونغرس لدراسة الآثار الكارثية لسياسات أمريكا الاقتصادية رسميًاً.
كان بامكان الديمقراطيين في مجلس النواب تمرير التعديل، إلا أن 44 منهم انضموا إلى الجمهوريين في مجلس النواب لمنعه.
وتواصل موقع "ذي إنترسبت" مع النواب الديمقراطيين الـ 44، إلا أن أيًا منهم لم يقدم تفسيراً مسجلاً لسبب معارضة دراسة الدمار الذي يُواجهه الأفغان نتيجة لسياسات الولايات المتحدة.
وقال ألمان: "بعد فشل التعديل، يبدو أن الإجراء التشريعي لمعالجة الأزمة متوقف الآن، رغم أن غايابال أعربت عن تفاؤلها بأن التصويت قد يكون مقدمة لتخفيف القيود الأمريكية".
تحذيرات دولية
وقال أحد كبار مساعدي السياسة الخارجية من الديمقراطيين، الذي فضل حجب هويته، إن هذه السياسة "ترقى فعلياً إلى القتل الجماعي"، مضيفاً أن بايدن "تلقى تحذيرات من الأمين العام للأمم المتحدة، ولجنة الإنقاذ الدولية، والصليب الأحمر، مع إجماع على أن لسيولة البنك المركزي أهمية قصوى ولا يمكن لأي قدر من المساعدة تعويض تدمير النظام المالي في أفغانستان والاقتصاد ككل".
ووافق مارك وايسبروت، المدير المشارك لمركز البحوث الاقتصادية والسياسية، على وصف قرار بايدن بـ"تجويع جماعي"، وقال لـ "ذي إنترسبت" إن معظم الناس "لا يفهمون الآثار الاقتصادية لقرار بايدن المدمر. فإذا لم يكن لدى بلد ما احتياطيات، وليس لديه بنك مركزي فعال، فليس هناك أي قدر من المساعدة يمكنه تعويض ذلك".
وكشف ألمان أنه بعد أشهر من ضغط نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية الدولية، بدأ الكونغرس مناقشة دور الولايات المتحدة في الأزمة الإنسانية المتصاعدة بسرعة في أفغانستان.
وأقر رئيس اللجنة الفرعية كريس مورفي، في جلسة استماع طال انتظارها في اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ لشؤون الشرق الأوسط الأربعاء الماضي، بأن المساعدات الإنسانية وحدها لن تكون كافية لمنع موت آلاف الأفغان.
ورغم أنه لم يدع بشكل مباشر إلى تغيير السياسة الأمريكية في جلسة الاستماع، إلا أن مورفي قال في مقابلة مع "ذي إنترسبت" إن الإدارة ستحتاج إلى تخفيف العقوبات، وإلغاء تجميد بعض الأصول الأفغانية، للتخفيف من حدة الأزمة.
وقال: "أعتقد أن الوقت حان للإفراج عن الأموال"، رغم أنه كرر مخاوفه على استقلالية البنك المركزي الأفغاني، في ظل طالبان.
إدانات شديدةوكشف ألمان أن جلسة الاستماع الفرعية هذا الأسبوع، تميزت بإدانة شديدة من رئيس لجنة الإنقاذ الدولية والمدير التنفيذي ديفيد ميليباند، ومستشار مجموعة الأزمات الدولية غرايم سميث، للسياسات المالية للمجتمع الدولي في أفغانستان. وبدد الاثنان الحجج القائلة إن المساعدات الإنسانية يمكن أن تعوّض عن تطبيع العلاقات الاقتصادية مع أفغانستان، ودحضا ادعاءات الذين يشيرون إلى قسوة طالبان لتبرير الفظائع التي يرتكبها الغرب.
واعترف السيناتور تود يونغ، الجمهوري الوحيد الذي حضر جلسة الاستماع، بأن على الولايات المتحدة أن "تحدد طريقاً للمضي قدماً للتعامل مع أفغانستان التي تحكمها طالبان". لكنه رفض فتح الباب صراحة أمام تطبيع العلاقات الاقتصادية وإلغاء تجميد الأصول الأفغانية.
وبدورها، أشارت السناتور الديمقراطية جين شاهين إلى تهميش طالبان للمرأة، لتبرير الحفاظ على السياسات الاقتصادية الأمريكية المدمرة، لكن ميليباند ردّ بأن طالبان تقدم تنازلات كبيرة في المساواة بين الجنسين وتسمح للنساء الأفغانيات اللواتي لا تزال رواتبهن غير مدفوعة وسط التجميد المستمر للأصول، بالعمل والالتحاق بالمدرسة.
ثمّ قدم ميليباند ما وصفه بسؤال النساء الأفغانيات في منظمته: "كيف يعتقد الغرب أنهم يساعدوننا، عندما لا نستطيع إطعام عائلاتنا؟".