رأت مجلة "إيكونوميست" أن على ألمانيا وبولندا أن تكونا جارتين سعيدتين. فهما ترتبطان بعلاقات وثيقة وتجارة سنوية تبلغ 159 مليار دولار، وهما عضوان أساسيان في الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، ومع مواجهة أوروبا أخطر تهديد أمني منذ الحرب الباردة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، يبقى الثنائي أهم حليف استراتيجي لأوكرانيا بعد أمريكا، وبريطانيا ربما.
وجد مسح أجري السنة الماضية أن أكثر من نصف البولنديين قالوا للمرة الأولى إن العلاقات مع ألمانيا لم تكن جيدة ووصفها 35 في المئة بأنها سيئة بوضوح
بولندا هي الممر الرئيسي للأسلحة إلى أوكرانيا وتستضيف الملايين من لاجئيها. وتقول
"إيكونوميست" إنه بسبب تاريخهم مع روسيا، كان البولنديون من بين أشد وأكرم وأسرع الداعمين لأوكرانيا. كانت ألمانيا التي تعد أغنى اقتصاد في أوروبا أبطأ في الرد لكنها الآن أكبر داعم لجهود الحرب بعيداً أمام الآخرين. غير أنه وفي 3 يناير (كانون الثاني) انتقد نائب وزير الخارجية البولندي أركاديوس مولارتشيك، ألمانيا بقوة.
لائحة اتهامات ومطالبوصف مولارتشيك ألمانيا بـ "عديمة الاحترام" و"غير ودية" واتهم برلين بمحاولة تحويل بولندا إلى "دولة تابعة".
ودعا الأمم المتحدة لتتدخل لدعم مزاعم بولندا ضد جارتها. مولارتشيك يألف تحديداً هذه الادعاءات. لقد ساعد في كتابة دراسة من ثلاثة مجلدات، برعاية حزبه القانون والعدالة، عن قيمة الأضرار التي سببتها ألمانيا النازية لبولندا بالرقم الهائل 1.3 تريليون دولار، أي ما يساوي ضعف الناتج القومي البولندي.
في 3 أكتوبر(تشرين الأول)، قدمت بولندا هذا المطلب رسمياً إلى برلين التي ردت بـ"لا" قاطعة.
تقول المجلة إن لا أحد يجادل في فظائع الجرائم النازية في بولندا. لكنها كانت منذ ثمانية عقود. منذ ذلك الحين، تنازلت ألمانيا عن مساحات شاسعة من الأراضي لبولندا، ووقعت عقوداً مع حكومات بولندية مختلفة لإغلاق ملف الحرب. لذلك يطرح التوقيت أسئلة تجيب سياسات بولندا الاستقطابية عليها.
انتخابات تظهر استطلاعات الرأي انزلاقاً بطيئاً في دعم اليمين المتحد، أي الائتلاف الذي يهيمن عليه حزب القانون والعدالة القومي والمحافظ والذي حكم البلاد منذ 2015.
تصاعد التوتر داخل الائتلاف منذ فوزه بولاية ثانية في 2019. تتذمر الأحزاب الصغيرة في اليمين الأقصى من لين وفشل حليفها الأكبر في الوقوف بوجه ما تسميه تنمر الاتحاد الأوروبي.
مع اقتراب الانتخابات في خريف 2023، يحرص حزب القانون والعدالة على حشد قاعدته والحفاظ على الائتلاف.
سبب آخريجب النظر إلى العلاقات المتوترة مع ألمانيا في إطار سياسة بولندا الأوروبية على ما يوضحه بيوتر بوراس من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
بما أن بروكسل ضغطت على بولندا ضد جهود الحكومة لسحق استقلال القضاء وفرض القيم العائلية المحافظة، أشار رئيس حزب القانون والعدالة ياروسلاف كاتشينسكي بشكل متصاعد إلى ألمانيا مصدراً للمشاكل في الكواليس.
في ديسمبر (كانون الأول) 2021، زعم أن أجندتها الحقيقية هي تحويل الاتحاد الأوروبي إلى "رايخ رابع". وبعد أشهر من غزو روسيا لأوكرانيا، كان كاتشينسكي يلمح إلى أن برلين تتواطأ مع موسكو لـ"استعباد" بولندا.
جنونحسب المجلة، يصدف أن دونالد تاسك، المنافس الرئيسي لكاتشينسكي على ضفة اليسار، من أصل ألماني جزئياً، وهو أمر شائع في غرب بولندا. خدم تاسك رئيساً للمجلس الأوروبي، فلم يتورع حزب القانون والعدالة وحلفاؤه عن وصف تاسك بالغادِر المحب للألمان.
يقول ووتشيك برزيبيلسكي من مجموعة رس بوبليكا البحثية البولندية: "هذا قد يبدو جنوناً، لكنه منطقي في فقاعتهم".
ليست بريئة تماماًجذبت ألمانيا أيضاً اللوم على نفسها وليس فقط بسبب الفشل في الاحترام المتواضع لبولندا والذي أظهرته لآخرين مثل إسرائيل، وفرنسا، عند الاعتراف بالجرائم النازية، ووفق "إيكونوميست"، ليس كاتشينسكي الأوروبي الشرقي الوحيد الذي قال لجيل القادة الألمان: "أخبرناكم بذلك" حين أثقلوا ألمانيا بجيش ضعيف واعتماد خطير على الطاقة الروسية.
يستمد كاتشينسكي قوته من هذا الشعور بالتفوق الأخلاقي حسب بوراس. المفارقة هي أنه اختار التباهي بذلك حين اعترفت ألمانيا أخيراً بالخطأ الذي ارتكبته في تعاملها مع روسيا ومع تقاطع سياسات البلدين أكثر من أي وقت مضى.
بولندا تثير المشاكلتابعت المجلة أنه رغم الرد بشكل بطولي على الحرب في أوكرانيا، فإن بولندا تثير المشاكل للتحالف الغربي الأوسع.
وحين وجدت ألمانيا أن الأسلحة التي تعطيها إلى أوكرانيا تستنزف إلى درجة أنها تتعطل، برهنت بولندا على أنها مترددة في السماح للجيش ببناء مركز لإصلاح الأعطال على أراضيها. وبنيت المنشأة في سلوفاكيا عوض ذلك.
وعندما سقط صاروخ أوكراني طائش في بولندا منذ شهرين، سارعت ألمانيا لعرض بطارية صواريخ باتريوت متطورة للدفاع الجوي.
رحبت الحكومة البولندية بالعرض أولا لكن كاتشينسكي قال بعدها لا، مضيفاً أن الجنود الألمان سيكونون على أي حال مخنثين جداً ليسقطوا مقاتلة روسية. وبعد أسبوع مضطرب بشكل محرج تراجعت بولندا وسمحت بنشر النظام.
هل تكفي المجاملات؟إثر قرع الطبول من اليمين المتحد المناهض لألمانيا على الرأي العام البولندي. وجد مسح في السنة الماضية أن أكثر من نصف البولنديين قالوا للمرة الأولى إن العلاقات مع ألمانيا لم تكن جيدة ووصفها 35% بسيئة بوضوح.
وفي محاولة محتملة للحد من الأضرار، حاول أندريه دودا، وهو الرئيس البولندي الفخري إلى حد بعيد والذي يتصرف غالباً مثل "شرطي جيد" تخفيف فظاظة كاتشينسكي، بزيارة ودية إلى نظيره الألماني الأقل تمتعاً بالصلاحيات فرانك فالتر شتاينماير في ديسمبر (كانون الأول). لكن الأمر سيتطلب أكثر من مجاملات ديبلوماسية يصفها مولارتشيك بالقصص الخرافية، لإصلاح الفوضى.