استضاف صالون الملتقى الأدبي بالتعاون مع جائزة الشيخ زايد للكتاب ومركزأبوظبي للغة العربية، الناقد الدكتور عبد الله الغذامي، في أمسية ثقافية افتراضية عبر برنامج "زووم" استمرت أكثر من ساعتين، تم خلالها مناقشة كتاب " السردية الحرجة" للغذامي بمشاركة وحضور عضوات الملتقى وعدد كبير من المثقفين.

مكانة العقل

رحبت مؤسسة ورئيسة صالون الملتقى، أسماء صديق المطوع في ضيف الأمسية العلّامة والمثقف الموسوعي القدير، وبكافة المتابعين، قائلة: " كتاب اليوم يتعرض للإشكاليات المرتبطة بالعقل ويحلل المقولات التي تعزز مكانة العقل، وترفعه على بقية ملكات ومهارات الإنسان، بمختلف تجلياتها النظرية لدى الفلاسفة الغربيين منذ عصر النهضة وحتى الآن، مثل جون لوك وكانط وراسل وجوناثان هايت وغيرهم، كما يناقش الكتاب عيوب الأفكار التي آمنت بالعقل إيمانا مطلقا، ويعرض قصورها في تفسير الكثير من الظواهر المرتبطة بالإنسان، ويطرح الأخطاء التي ارتكبت بسبب مركزية العقل، وأدت لكثير من الممارسات العنصرية، مبينة أن الكتاب يعرض  أيضا الآراء المختلفة للفلاسفة والفقهاء العرب مثل الجرجاني والغزالي وغيرهم حول ذات الموضوع.
 

العقلانية الجديدة

وأضافت أن الدكتور الغذامي في كتابه" السردية الحرجة" يطرح علاقة العقل البشري بالذكاء الاصطناعي وهل العقلانية الجديدة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي تتواضع وتعترف بعجز العقل، لكون الذكاء الاصطناعي غير كامل وغير بشري، وهو أمر سيحدث هزة في القناعات المستقرة المرتبطة بمفاهيم الوظيفة والأداء والتكامل.
 

 

مبادرات شهر القراءة


وذكرت أن الكتاب ملهم وشامل للعديد من القضايا الفكرية والحياتية التي تهم كلا منا، ثم توجهت بجزيل الشكر والتقدير للغذامي على قبول الدعوة، ولجائزة الشيخ زايد للكتاب و مركز أبوظبي للغة العربية على دوام التعاون والتواصل مع صالون الملتقى الأدبي.
وقالت المطوع: "أمسية اليوم إحدى المبادرات التي يطرحها الملتقى بمناسبة شهر القراءة في الدولة.... والتي نفذنا منها حتى الآن، الإعلان في بداية شهر مارس( آذار) عن الفائز في النسخة الأولى من جائزة أسماء صديق للرواية الأولى، وفتح باب التقديم للنسخة الثانية من الجائزة والتي ستشمل قسمين هما، الرواية الأولى والرواية التفاعلية".
وبينت، أن الفعاليات التي نفذها الملتقى خلال شهر القراءة 2023، تضمنت إصدار كتاب "صالون الملتقى الأدبي والعالم الافتراضي... بين محنة الكورونا ومنحة القراءة" عن دار الآداب، وهو الكتاب الذي يؤصل لفعاليات الصالون المتنوعة خلال محنة انتشار فيروس الكورونا، وجلساته الافتراضية المختلفة والتي اقتربت من مئة جلسة.
 وقدمت عضوة صالون الملتقى نادية طرابيشي نبذة تعريفية مختصرة عن سيرة ومسيرة الغذامي الحافلة بالعطاء والإنجازات المهمة.
 

العقل عاجز

وأوضح الغذامي أننا نجنح إلى الحديث عن العقل وكأننا نتحدث بثقة عظيمة جدا، ونؤمن أن الصحيح هو ما يقول به العقل، وما لا يقول به العقل فهو غير صحيح، ولكن لو سأل كل شخص نفسه ما العقل؟ سيدخل بعملية معقدة، فسارتر يقول أظنني أعرف فإذا سألت نفسي وجدتني لا أعرف، وأبو حامد الغزالي دخل في قلق معرفي مثل قلق سقراط، وقد عرفنا الغزالي عبر كتابه" المنقذ من الضلال" وفي خلاصة رحلته يقول مقولة مهمة جدا وهي"أن ميزة العقل في قدرته على كشف عجزه" فالعقل عاجز وميزته في عجزه، بمعنى عندما فكر الإنسان في الطيران وحلم به في السرديات مثل البساط الطائر، تدرج في الاختراعات إلى أن اخترع الطائرة.
 

قانون الأخلاق

 
وأضاف الغذامي: "لقد وصل كانط  إلى أن العقل يدرك أن هناك وجودا وإرادة حرة، وهناك خلود وهناك إله، لكن لا يستطيع كشف ذلك وتفسيره، كما أن كانط يرى أن هناك طريقا أخرى غير العقل توصل لمعرفة وجود الله، وهو قانون الأخلاق، فالأخلاق لا تصنع في المدرسة ولا تعلم في الجامعات، أو الأسرة، لأننا نجد أعلى الجامعات يتخرج منها الصالحون والمجرمون، وكذلك البيت والأسرة لا تصنع الأخلاق، لأننا أيضا نجد الأشقاء على المستوى الأخلاقي مختلفين.
 

العقل المطلق

 
وذكر الغذامي: " أن أعلى منزلة في الأخلاق هي الضمير، ولا نعرف كيف يأتي ولا مواعيده، غير أن تأنيب الضمير هي العلامة الوحيدة على وجوده، فالقانون الأخلاقي لدى كانط يشبه القوانين الطبيعية، مثل قانون الجاذبية، كان موجودا ولكن نيوتن اكتشفه وعرف الناس به، أما هيجل فقد وصل إلى 3 أنواع من العقول، وهي العقل الذاتي، والعقل الموضوعي والعقل المطلق" موضحا أن اللحظة التي يلتقي فيها العقل مع الروح ويتجاوز العقل الذاتي والعقل الجمعي يصل إلى العقل المطلق، مثل محبة الآخرين بعيدا عن أي مصلحة، تعتبر من سمات العقل المطلق.
 

  

معقولات متعددة

 وقال الغذامي: " الباحثين توّصلوا إلى أن كل شخص في ذاته معقولات متعددة، مثلا أنا عمري 77 سنة، مررت بثمانية عقود، على الأقل لدي 8 منظومات من المعقولات، ابتداء من مرحلة الطفولة، ولغاية اليوم، فالمعقولات متغيرة، والعقل أيضا متغير" مبينا، أن فكرة كتاب" السردية الحرجة" توضح بون شاسع بين المفهوم وتمثلات هذا المفهوم، مثل من يدعو للمساواة ويرى نفسه أعلى من الجميع، وهذه السردية الحرجة هي التي تجعلنا نعيش في وهم.

 

العلم فردي

 
وفي إطار رده على سؤال حول إمكانية تشكيل مجموعة من المهتمين والباحثين تعمل على تفكيك المفاهيم، قال الغذامي:" على مدى 40 عاما جميع التجارب التي خضتها من أجل تشكيل مجموعة لم تفضي إلا إلى مرارات، لان البحث العلمي مثل الجوع ما يناسبني من طعام ربما لا يناسب غيري، فالفكر فردي والعلم كذلك، وعلى سبيل المثال، لم يعرف العصر العباسي شاعرا مثل المتنبي، وأثينا لم يمر بها مفكر أو فيلسوف مثل سقراط الذي حكموا عليه بالموت، فالفكر دائما مثل الغزال شرود، يحتاج مهارة تشبه مهارة ملاحقة الغزال كي نصيده، والعلم مع الذي يجري لنفسه لذلك فهو مفعم بالقلق والأرق والتعب وحرمان المتعة، وبالنسبة لفكرة وجود مجموعة ذلك مستحيل".
 

مرحلة وسطى

 
وفي إطار حديثه عن الفردانية أوضح: "أن الفردانية كل ما زادت، زاد معها الضياع، ولو ضاعت من عندنا وحدة الأسرة والجيران على سبيل المثال، سنخسر الكثير، فالفردانية خطيرة جدا، كما يحدث في الغرب حاليا، نجد عجائز يمتن في بيوتهن ولا أحد يدري بهن، صحيح أن السلطوية والأبوية لها سلبيات، لكن لا بد من مرحلة وسطى هي التفاوضية الثقافية.
 

الإبداع الكوني

 
وحول مبحثه عن الذكاء الاصطناعي قال: " أن المخاطر التي تأتي من الذكاء الاصطناعي هي نفس المخاطر التي تأتي من الإنسان، لكن الذكاء الاصطناعي وما أسميته بالعقلانية الجديدة، أفضل من الإنسان مثل الروبوت الطبي يكون دقيقا جدا، وأكثر دقة من الطبيب، الذي ربما يتأذى من رائحة البنج مثلا، فالعقلانية الجديدة تسد ثغرات العقلانية القديمة" موضحا أن لحظة العجز عند الذكاء الاصطناعي أنه لن يتمكن أن يبنى على المشاعر والانفعالات، فالمشاعر والانفعالات لها دور في الابداع الكوني منذ الأزل، بمعنى أن الإنسان ميزته إذا مرض بحث عن اكتشاف الدواء، وإذا خاف أبدع، كذلك المتعة في حياة الإنسان أتت بالموسيقى والمسرح والسينما، ولو لم تكن لدينا رغبة في المتعة لما صنعنا ذلك كله، فالإيمان المطلق بالذكاء الاصطناعي هو خطأ، نعم قد تكتب بعض البرامج مثل "تشات جي بي تي" النصوص الأدبية لكنها تبقى نصوصا فارغة بلا عاطفة ومشاعر وأحاسيس.
وأكد الغذامي: "أن الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان وليس ضد الإنسان، ولكن إذا تركناه في يد الأشرار سيصبح شريرا، فالمخترقون هم كالفيروسات تعمل على تدمير الجسد، ولكن الإنسان استطاع أن يحارب الفيروسات باختراع الأدوية".