"ذاكرة الطفولة" زاوية نضئ فيها على طفولة أديب من الإمارات، نصغي لأولى تجاربه ورؤاه، أولى أفراحه وأحزانه، نمخر عباب مرحلة، بصماتها خالدة في أعماق الذات، وتتسرب لأطراف الأصابع، عبر النتاج الأدبي بين لحظة وأخرى.
أحببت القاهرة لحبي للأدب المصري، ولتاريخ مصر العريق لقد كانت حاضنة الثقافة
رمضان اجتماع قلوب قبل أن يكون اجتماع طعام
القراءة هي الرفيق والصديق وباب للمتعة والانطلاق والانعتاق والتطلع لما هو أجمل
تقول مديرة مؤسسة بحر الثقافة الأديبة الإماراتية مريم الغفلي: "رمضان كان وما زال حلماً جميلاً يأخذني اسمه والحديث عنه إلى تلك الأجواء الجميلة، الفريج القديم بمدينة العين، والكثبان الرملية، والبيوت المبنية من سعف النخيل والصفيح ونحن نتراكض بين الأزقة الرملية، رمضان اجتماع قلوب قبل أن يكون اجتماع طعام، أتذكر خبز أمي اللذيذ، وصالونة اللحم والثريد، ورائحة الخبيص والهريس، و تراكضنا قبل الإفطار لتوزيع أطباق من طعامنا للجيران، ما زالت تلك الروائح تتسلل لأنفي، وهي تعبق المكان في كل بيت، ولا أنسى أمي وهي تجمعنا وتحثنا على قراءة القرآن كل ليلة على ضوء الفنر، فلا بد من ختم القرآن في نهاية الشهر، كانت تحذرنا من الإفطار، قائلة: "من يفطر نهار رمضان تظهر على وجهه بقعة في نهاية الشهر" وكان ذلك يخيفني لأني لم أكن أقوى على الصيام في ذلك العمر الصغير، وأضطر للأكل خلسة وقت الظهيرة، وكانت النساء والفتيات يجتمعن وقت الفطور، بينما يحمل الرجال والصبية إفطارهم ويجلسون في المسجد المبني من سعف النخيل، والذي كان يتوسط الفريج ويقع شرق بيتنا ملاصقا له تماما، فكنّا نسمع الصلوات وقراءة القرآن والأحاديث ونحن جلوس بمنزلنا".
مهوى القلب
وحول ذكرياتها مع والدتها تضيف: " أمي مختلفة عمّن سواها سابقة لعصرها حفظت القرآن صغيرة، وساهمت في تعليم أبناء الفريج قبل المدارس، كانوا يجتمعون بمنزلنا يحفظون القرآن ونحن نجلس بينهم صغاراً، لقد كنت طفلة شقيّة مشاغبة أهيم في أحلامي وأنسى واجباتي، لا أخاف من شيء، ولا من الأشخاص، وكنت أتصرف بحسن نية وعلى الفطرة، وعندما كبرت عرفت أنه كان عندي فرط نشاط، وعرفت سبب تصرف أمي وفقدانها لصوابها أحيانا، لأني مختلفة عن باقي أقراني، كنت أستشرف عالما مختلفا، وربما ساهمت القراءة في بناء شخصيتي الحالمة، والمتطلعة لشيء مختلف عمّا اعتاد عليه الجميع.
لم أحظ بالأجداد والعمّات والخالات، لأن أمي كانت وحيدة، ومعظم كبار العائلة توفاهم الله، وحده أبي كان كجبل حفيت شامخا بيننا، يحنو علينا، نحن أبناؤه وبنات إخوته الأيتام،
لذا فقد كانت الأمهات والجدات ونساء ورجال الفريج كبار السن هم مهوى القلب وعلاقتي بهم جميلة، اتنقل بينهم كنحلة وهذا ساهم في تكوين شخصيتي، كان ذلك الجيل مخزنا ثريا للمعرفة والأخلاق والقيّم".
شخصية قيادية
وعن صداقات الطفولة تقول الغفلي: "كان لدي صديقة وما زالت علاقتنا كما هي، وإن اختلفت في أن أصبحت أكثر عمقا، وكان في الصغر يقع بيننا مناوشات ومشاكسات، لأني شخصية قيادية أقود معظم بنات وأبناء الفريج، وأتزعمهم بتهور، كنت أقودهم نحو المشاكل والعقاب، وتظل صداقات الطفولة أساسية في حياتنا لا تغيرها الأيام".
أبناء الطبيعة
وتتذكر ألعاب الطفولة "كنا نلعب بما حولنا من الطبيعة، نتراكض بين الكثبان الرملية وأشجار النخيل نبني بيوتا من رمل وسعف، ونصنع ألعابا من القماش والعلب وكرب النخيل، وكنا نلعب مع الحيوانات الصغيرة ونراقب أعشاش الحمام وباقي الطيور، كان زمنا آخرا، كنّا فيه أبناء للطبيعة، وهذا في طفولتي المبكرة قبل المدرسة، بنهاية ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات واختلف الوضع بعد الاتحاد".
نحو المعرفة
وعن المدرسة والمعلمات، توضح "من المعلمات التي لا يمكن أن أنساها، معلمة اللغة العربية وصفيّة، بمدرسة هاجر الابتدائية في الصف الرابع، بمدينة العين، وذات مرة، طلبت منّا كتابة موضوع تعبير قصة قصيرة، فكتبت وقدمت لها دفتري، حينها وقفت مندهشة، وغير مصدقة أني كتبت القصة أمامها، ثم أمسكت يدي ودارت بي عبر أنحاء المدرسة تطلب مني قراءة ما كتبت، بدأ من القراءة أمام المديرة ومعلمات الفصول الأخرى، في تلك اللحظات كدت أطير من الفرحة، شعور غريب ذلك الذي بثته في قلبي معلمتي، شعور رافقني لبقية عمرى، روح تبث في روحي شغفا وتطلعا وحبا للمعرفة والقراءة، دفعتني معلمتي وصفيّة نحو المعرفة والتألق بتشجيعها، والقراءة هي من أوصلتني لما أنا عليه اليوم، وعلى النقيض كانت معلمة الرياضيات قاسية وبسبب ضربها لي أمام طالبات الفصل، والتقليل من شأني، جعلتني أترك المدرسة وأتحاشى مادة الرياضيات، لقد تركت ندبة بذاتي لم أبرأ منها".
الانطلاق والانعتاق
وتضيف الغفلي "تعرفت على الكتاب من خلال مكتبة المدرسة، وأول كتاب قرأته بغلاف كحلي، وعليه رسمة حمار الوحش، نسيت المحتوى حاليا لكن صورة الغلاف ما زالت راسخة في ذهني، كنت أحب جدا زيارة المكتبة الصغيرة بمدرستي كل يوم وفي كلّ فرصة، كانت بمثابة باب سحري فتح أمامي لعوالم لم أكن أتخيّل وجودها، ثم اعتدت على قراءة الألغاز، المغامرون الخمسة، وتختخ، ونوسة ولوزة والشاويش فرقع والكلب زنجر، وكذلك المغامرون الثلاثة محب ونجيب، ثم قرأت سلسلة المكتبة الخضراء، وفيما بعد أرسين لوبين، أجاثا كريستي، حتى وصلت لمرحلة أنيس منصور ونجيب محفوظ والأدب العالمي، وبعد أن تركت المدرسة أخذت قراءاتي منحى آخر، وصرت أقرأ كّل ما يقع تحت يديّ، أيضا أصبحت قارئة يومية للصحف والمجلات، مثل العربي وآخر ساعة ومجلة المختار وغيرها، وظلت القراءة هي الرفيق والصديق وباب للمتعة والانطلاق والانعتاق والتطلع لما هو أجمل".
الغافة الحنون
وتذكر بداية رحلتها مع الكتابة: "كنت أكتب منذ الصغر وللأسف ضاعت معظم كتاباتي، لكن أول قصة نشرتها كانت في مجلة "تراث الامارات" تحت عنوان "الجمل الحزين" ثم كتبت قصة " الغافة الحنون" التي فازت في مسابقة بمبادرة " احموا شجرة الغاف".
وعن أول مدينة زارتها خارج الوطن، تقول: " أول مدينة زرتها القاهرة، فيها تشكلت عوالمي الجديدة، واكتشفت من أين استقى نجيب محفوظ وكتاب مصر عوالمهم، أحببت القاهرة لحبي للأدب المصري، ولتاريخ مصر العريق، لقد كانت حاضنة الثقافة آنذاك".