"ذاكرة الطفولة" زاوية نضيء فيها على طفولة أديب من الإمارات، نصغي لأولى تجاربه ورؤاه، أول أفراحه وأحزانه، نمخر عباب مرحلة، بصماتها خالدة في أعماق الذات، وتتسرب لأطراف الأصابع، عبر النتاج الأدبي بين لحظة وأخرى.
كنت أهوى تدوين خواطري ويومياتي وتخزينها منذ كان عمري تسع سنوات
الطفولة فضاء عامر بالتكوين والتنوع والاستقلال والتشكل، رحابة حرة من التعلق والتقييد والوعود
جدتي نبع عظيم ممتد من ذاكرة الخرافة والمرويات التي لها جذر أصيل في قصصي ورواياتي
أبي كان عصامياً كأبيه، معتقاً بالبحر وممتزجاً برائحة الخشب، احترف النجارة في بداية حياته
تقول الأديبة لولوة المنصوري: "لرمضان ذاكرة حميمة صوفية في روحي، لم يكن الصوم إجبارياً قاسياً ومفاضلة أو مقارنة بين الإخوة وإنما تعاطفاً واختياراً وسماحاً، بدأت بالصوم في مراحل متأخرة جداً من طفولتي، وكانت مرحلة يقين وحب، كان جسدي الهزيل في طفولتي يثير تعاطف الجدة التي كانت وحدها صارمة في مسألة الصيام، كثيراً ما كنت ألعب خارج البيت قبل ساعات الإفطار وكان الأذان هو نداء جامعاً لأطفال البيوت للانصراف وترك كل شيء والعودة المؤكدة، فأتذكر في تلك الحالة أني كنت أحب مراقبة مراحل اختلاء السهل وفراغه الكامل من الأطفال، مراحل تنفس التراب وانغماس الجبال بالضباب والهدوء والصفاء والشفق الخمري العظيم، كنت أحب التأخر عن الإفطار، لأن ما في الخارج كان عظيماً، مشهد الصمت والسلام والسكون وحده كان بمثابة صلاة كاملة وغفران وجلالة".
نهر الزمن
وتضيف لـ 24 "لسنوات غمرتني فكرة أن أكون آخر الراحلين والمغادرين والعابرين والمراقبين للأمكنة، لم أدر وقتها أن لحظات السكون والخلوة تلك، كانت موطن التهيئة الروحية لاستقبال بذور النسخة التأملية والترقي الحر نحو أفق الإبداع، حقاً لقد تدفق نهر الزمن سريعاً وسقطت أوراق كثيرة أثناء العبور، أوراق حياة الآخرين الذين واكبوا إضاءة أغصان العمر، صارت اليوم كلها ذاكرة، كما أتذكر المساحة الكبرى لبيت أبي، رحمه الله، والفناء العظيم الذي يجمعنا عند ساعات الإفطار، وصوت المدفع في الشتاء واضحاً ومزلزلاً للأرض بصداه المرتد من الجبال، نشعر وكأن أرض جلفار تنعتق مجدداً من قيد ما وتعود للأجداد ذاكرة عودة البحارة".
دعابة طفولية
وتتابع "أتذكر من وحي الحنين للدعابة الطفولية أن أخي الأصغر كان يكثر من المشاكسة الحلوة والهزل البريء، كثيراً ما حاول تقليد صوت المدفع بالصعود على سطح البيت وضرب صفيحة (تانكي) الماء فيلتبس على الجيران الصوت ويظنون أن موعد الإفطار قد اقترب، وإذ بهم ينتظرون الأذان على الموائد بترقب، فلا يأتي الأذان إلا متأخراً بعد اندلاع الضربة الحقيقية للمدفع، كان أخي يكرر تلك المزحة إلى أن اكتشف الجيران لعبته، وتدريجياً لم يعد يعبأ لضرباته أحد، أتذكر أيضاً من بين تلك الدعابات الحلوة، تغطية أخي الآخر لبعض الأواني الفارغة بالقصدير ووضعها على مائدة الإفطار، حتى يحين موعد الإفطار فينبهر الجالسون بالكم الهائل من الطعام المرسل إلينا من الجيران، ليكتشف بعدها أبي أن أغلب الأواني فارغة بعد أن ينزع الغطاء عنها".
جذر أصيل
وتقول المنصوري: "أمي وجدتي مقطوعتان شعريتان متناسلتان من رحم أشجار الرولة، أمي طين لامع بين شمس السهول، أرض كبرى، تلد النخل والبحر والملح، أمي التي أهدتنا الأسماء، أهدتني اسماً من سلالة بحار قديم، محار قديم، أمي أيقونة كلماتي وجدول مقدس يتدفق باللغة الأمومية الشعرية، لغة التكوين والنشأة والصفاء الأول، أما جدتي فهي النبع العظيم الممتد من ذاكرة الخرافة والمرويات والتي لها جذر أصيل في قصصي ورواياتي، الجدة طلسمي الخاص المعشق بالرموز والنقوش المنسية والمجهولة، جدتي ذاكرة عذابات وأفراح، مشقة ومعزة، وألم غائر في الروح، شجرة كارمية منغمسة في أعماق الجين، لطالما حاولت التنصل من عذاباتها، لكن الكتابة تعيدني إليها ونحو ليوانها الأخضر لأنسكب رمزاً وسحراً يحرك أرض النص ويذرف الأمطار والخيول والمحاربات، جدتي ذاكرة عظمى لمحاربة، ولعل كل شيء في الطبيعة يذكرني بها وبنسوة الحطب والماء، الحصاد والحقل وزهور الجبال ورائحة النبق ومشهد النمل على الجدار الزاحف نحو السكر يذكرني بها، كل الأشياء الواسعة المفصلة والمهمشة المغتربة تذكرني بها هي ملح الروح، أعود لذكراها كما يعود الماء إلى النبع" .
الحكمة والصمت
وتضيف " توفي جدي إبراهيم مبكراً جداً، كنت في السابعة من عمري، غير أنه ترك لي حظاً كبيراً من الذاكرة من خلال مشاهد تومض بين محطات الحياة، لمعة وجهه الصوفي الأبيض في الشمس، وإشراقة عمامته البحرية وخطه الجميل في المراسلات وصوته الأنيق الهادئ، وبساطته العالية، وأنفه الذي ما هدأ يوماً من الدم، كان مصاباً بالرعاف، وأتذكر صور الدم النازف من أنفه على شراشفه وسط ليوان البيت، وأعرف أنه مات لأن دمه نادر، كان يحتاج لإضافة ولم يجدوا دماً مطابقاً له، لقد أبى دمه الاختلاط، فنام سريعاً هادئاً مرتاحاً من الضجيج، وأبي كان عصامياً كأبيه، معتقاً بالبحر وممتزجاً برائحة الخشب، احترف النجارة في بداية حياته، ناحتاً بشوقه الحياة التي يود الإقامة فيها، فاكتسب الحكمة والصمت والتأمل، أحب الكواكب والعلوم فاطلع عليها وسبر مداخلها بالسؤال واقتناء الكتب وتكوين مكتبة معارف في البيت، كان له خط غامض كأنه ذاهب للشرود والمتاهة، وتوقيعه يشبه درب التبانة".
فضاء عامر
وعن صداقات الطفولة توضح "أحب العابرات، إن صداقة العبور في الطفولة تترك رنيناً عميقاً في الروح، وكثيرات من صديقات الطفولة كن عابرات، في الفصول الدراسية، في الحدائق، في الاحتفالات العائلية، في السهل الجلفاري، في الحقيقة لا أملك صداقة مستقرة منذ الطفولة، وهذه هي جمالية بحد ذاتها، فالطفولة فضاء عامر بالتكوين والتنوع والاستقلال والتشكل، رحابة حرة من التعلق والتقييد والوعود، كلها كانت وعوداً عابرة، وأتذكر أبرزها وأغربها وأكثرها التصاقاً بروحي طفلة من أهالي رؤوس الجبال، نزلت بمعية أهلها ذات شتاء إلى السهل وسكنوا مؤقتاً عند رأس الشاطئ القريب من الندود التي تحوي في طميها بقايا أثرية من مرفأ جلفار القديم والمندثر، كنت أنزل في الظهيرة الباردة من حافلة المدرسة وأركض رأساً إلى بيتهم، أترك حقيبتي على صخرة بحرية، وننطلق معاً نجمع المحار والفخار العتيق ونتخذ من اللقى الأثرية المتناثرة على الشاطئ السبخي دمى ولعباً، دون أن ندرك أن ما بين أيدينا عائد تاريخياً لأسلاف هذه الأرض ما قبل 5000 سنة".
التجلي والانعتاق
"لم تكن لدي هوايات محددة، كنت طبيعية هوائية وبسيطة وشاردة ومنذهلة على الأغلب، أحببت اللعب والفضاء المفتوح، كثيراً ما كنت ألعب خارج الجدران والأسوار، أحببت ركوب الدراجة والسباحة في البحر، واستهوتني رحلات الأهل في الطبيعة، أحب تعاليم جدتي في تكوير العجين والخبز وسقي الزرع، وكانت حواسي تستعد لتخزين التفاصيل ورياح الزمن، كنت أكتب بطريقة الكتابة الداخلية، بمعنى أن أترك الأمكنة والأحداث تأخذ مجالاً واسعاً من إدراكي وتنكتب بداخلي بأسلوب حدسي وبيقظة عاطفية تجاه الأشياء، لقد خرجت كل تلك الكتابات الداخلية على شكل انفجار في الثلاثين من عمري، فتدفقت القصص والروايات والكتابات البحثية، وكأنها كانت حبيسة رئتي منتظرة الأوان المناسب للتجلي والانعتاق بنضج ويسر وثقة".
موطن الدهشة
وبالنسبة لأحب معلماتها لها تقول: "معلمة اللغة العربية في الصف الثالث ثانوي، اسمها سعاد علماني، من خلالها بدأت أقيس المسافة بيني وبين السحر الواسع لبحر اللغة، وتعلمت منها أن كل كلمة خاضعة لإمعان المخيلة والبحث في الدلالات والتأويل، تعلمت منها أبجدية التأويل الدلالي ونهلت العشق العميق للغة العربية، من خلالها عرفت أن اللغة العربية ليست منهجاً تلقينياً وإنما فكر وتأمل وفضاء للإبحار الحر خارج أسوار التنظير والتكرار والتكريس، الغريب أن 11 سنة قضيتها في المدرسة لم أحب يوماً مادة اللغة العربية، لتكون السنة الأخيرة في الصف 12 جسراً جوهرياً لفهم الحقيقة، فصارت لغتي موطن الدهشة والتساؤل والتدبر والاستمتاع بفضائها الجذاب، وأعتقد وقتها ولدت بداخلي كاتبة وقارئة، لكن بقيت متوارية خلف أستار الخجل".
الجهد الإنساني
وحول علاقتها مع القراءة تقول: "هل تصدقين بأني كنت لا أهوى القراءة في طفولتي المبكرة، ولم أحبها أبداً رغم إتقاني السريع لها؟ كنت أحب الاطلاع على الصور والنصوص المتبوعة برسومات توضيحية، أحببت كتب وموسوعات أبي الخاصة بعلم الكواكب والأجرام وعلوم الأرض والطبقات الجوفية، أحببت الخرائط الطبيعية، كنت وقتها أقرأ بشكل آخر، أقرأ بعيني وحواسي وتأملي للأمكنة والصور والأحداث، أقرأ كل ذلك بصمت ومشاعر حية مطلقة ودون انتظار مقابل، ثم بدأت أحب القراءة بشكلها المألوف في وقت متأخر، بين آخر مقعد دراسي لي في المدرسة الثانوية وأول مقعد دراسي لي في الجامعة، فبدأت أهتم بالصحف وقراءة المجلات والكتب وكل ما له صلة بالأدب القديم والحديث وما بعد الحداثة، ليست لأنها مناهج مفروضة بل لأنني صدقاً بدأت أهتم بالقراءة وجل انتباهي كان ينصب على قراءة الجهد الإنساني بعد مراحل طفولية غامرة بقراءة الجهد الإلهي في الطبيعة والكون".
رسالة رثاء
وبالنسبة لبداية رحلتها مع الكتابة، تذكر المنصوري "بدأت الكتابة بالرسائل، على شكل مشاكسات وكاريكاتير بين الصديقات عبر رسائل يومية، ورسائل تحوي نكتاً وتعليقات بين إخوتي، ورسائل الطلب والرجاء إلى أبي، ورسائل للأصدقاء عبر البريد، وكنت وقتها أهوى تدوين خواطري ويومياتي وتخزينها منذ كان عمري تسع سنوات، وفي السنة الثانية في الجامعة خطت يدي أول قصة قصيرة، وكان ذلك في سنة 1999 وحملت اسم "رسالة رثاء طيفية"، ونالت جائزة أفضل قصة قصيرة على مستوى طلبة وطالبات الجامعة".
عواطف نقية
وتختم "لقد كانت القاهرة محطة نزولي الأولى، كنت في السادسة من عمري حيث أوائل الثمانينات، تبعنا والدي في رحلته الدراسية التدريبية لمدة 6 أشهر، وقضيت رمضان كاملاً على أرض القاهرة، التي منحتني الضحك من القلب وجرأة الاندفاع إلى المجهول، سريعاً ما تكونت لدينا صداقات عابرة ومؤثرة وملهمة، الأطفال هناك لديهم فضول التعارف والتآلف والانطلاق، والسيدات هناك ملهمات للحكايات، بالأخص القادمات من الأرياف والحقول، لديهن حنان هائل وعواطف نقية صافية ووفرة في الجهد والعطاء".