يُعرف الفن السابع أنه صورة الواقع الحيّة، فكانت الأعمال الدرامية في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية تحمل رسائل بمعاني وجدانية لتستقر في ذهن المُشاهد العربي.

وارتبط هذا التصور للدراما بـ"بورتريه" عائلة تتسامر الحب وتجلسُ أمام شاشة التلفاز في شهر رمضان، الذي تزدهر فيه الأعمال الفنية، وعَرَضت تلك الأعمال فناً صلباً أبت أن تذيبه متغيرات الحياة اليومية، فمن ينسى أسطورة "لن أعيش في جلباب أبي" دراما اجتماعية مصرية، عُرضت لأمرة مرة في رمضان 1996، وطرحت أهمية العصامية كقيمة للشاب العربي وكيف استطاع بائع "الخردة" عبد الغفور البرعي بجلابيته، التحول من شاب فقير إلى تاجر "خردة" من خلال ثقة مرؤوسه في بيئة العمل. 

وبالنظر إلى الدراما السورية، فمن يتخطى اللوحات الساخرة الاجتماعية ضمن مسلسل "مرايا"، والتي رسمت واقعاً يعيشه كل مواطن عربي في حياته اليومية بطريقة كوميدية في التسعينيات، واستمر المسلسل بالنجاح لسنوات عدة يناقش قضايا أخلاقية، ضمن لوحات مصوّرة بأبسط المعدات.

وما إن طرحنا الأعمال المقدمة ضمن شهر رمضان في الأعوام الأخيرة فنجد أن القيم التي تقدمها المسلسلات العربية اختلفت، بدءاً من طرح العنف و"البلطجة" كنموذج للرجولة، وتقديم البيئة الشامية كحالة عبودية للرجل الشرقي على زوجاته، وعرض الكراهية على أنها سياق سائد.
ويرى الناقد الفني والدرامي مخلد زيود، "أن المشكلة تكمن في عدم إدراك قوة التلفزيون كوسيلة اتصال جماهيرية في عصرنا الحديث، والتي تعتبر أداة للتنوير وصياغة الرأي العام"، ويؤكد "أن "التسعينيات شكلت العصر الذهبي للدراما التلفزيونية من حيث الكم والكيف".
وسرعان ما تبدلت توجهات إنتاج العجلة الدرامية لتنحرف عن الإطار الأخلاقي، ويشير زيود إلى أن "الدراما تحولت من تقديم أعمال قيّمة لتقديم أعمال مشبوهة، تعزز مفاهيم الطائفية والعنصرية والكراهية والخيانة والقتل والبلطجة".

"العمدة".. السلطة في مخيلة الرجل الشرقي

وفي هذا العام خرج محمد رمضان من نمطية الدور الذي يرسمه على أنه الشاب الذي يمسك زمام الأمور في الحي الذي يقطنه، إلى الرجل المزواج في "جعفر العمدة" الذي يقطن حي "السيدة زينب"، ويملك عدة شركات للمقاولات، متزوج من 4 نساء، ليمارس سلطته المطلقة عليهم و"يطلّق إحداهن عند أصغر هفوة".
وفي هذه الأدوار التي أداها محمد رمضان، وإن تميز في الأداء تقنياً، لكنه ترك في مخيلة الشاب العربي "ذكورية" وممارسة سلوكية "عنيفة" كما يصفها البعض، ويقع هذا في ضوء شهرة رمضان الواسعة في مصر والوطن العربي.ويستنكر زيود العمل الفني الذي لا يضيف للمشاهد أي قيمة، قائلاً:" يجب أن يحقق العمل الدرامي المتعة الجمالية والفكرية للمُشاهد من خلال الصورة البصرية، وأن يرتقي بالذوق الجمالي للمتلقي".

السفر في الزمن عبر "طاش العودة"

بالرغم من الأصداء الجيدة التي حظي بها مسلسل "طاش العودة" بعد انقطاع دام 12 عاماً، من بطولة فناني السعودية "ناصر القصبي وعبد الله السدحان" خلال عرضه في شهر رمضان، إلا أن نقّاد النص الدرامي أبدوا بعض الأصداء السلبية حول "ركاكة النص المكتوب".
إذ عرض العمل تغير الواقع السعودي وبعض العادات الاجتماعية في إطار كوميدي ساخر، وأعزى بعض النقاد "ضعف النص" إلى الانقطاع الطويل عن تقمص الدور وعدم مواكبة بطليه لمستجدات العصر الحالي.