قال الأديب السوري بيان الصفدي: "اقتربت من الفوز مراراً في مسابقات عربية مهمة في أدب الأطفال"، موضحاً أن كتابة سيرة الأعلام للأطفال من أهم وأصعب الكتابات، وأن شعر الأطفال مجهول لدى غالبية الناس بعيداً عن النصوص المدرسية، ومبيناً أن الجائزة الحقيقية لأي كاتب هي محبة الناس لنتاجه الأدبي.
اقتربت من الفوز مراراً في مسابقات عربية مهمة في أدب الأطفال.
وتجسّدت شواغل الأديب السوري بيان الصفدي في أدب الأطفال في أكثر من جنس أدبي شعراً، وقصة، وسيرة قصصية، ومسرحاً، ودراسات، ومختارات، وتوثيقاً، وأغنية، وسيناريو تلفزيوني، صدر بعضها في أكثر من بلد عربي بدأها في 1978 مع دار الآداب اللبنانية، وكاد أن يحصد في العام الماضي جائزة الشيخ زايد في أدب الطفل.
وعمل الشاعر الصفدي في الصحافة الثقافية في اليمن، والعراق، وسوريا، وكانت آخر مهمة رئاسة تحرير مجلة الطفل السورية "أسامة". وبالتوازي فإنه لم يهمل شعره المتميز للكبار الذي بدأ به حياته الأدبية، وله فيه أكثر من 5 دواوين، ومختارات، وصدرت أخيراً في عُمان سلسلة للأطفال عن رموز ثقافية وتاريخية.
وفي الحوار مع 24 يتحدث الصفدي عن ذلك وغيره.
_ صدرت لك عدة كتب أخيراً في عمان لو تحدثنا عن التعاون لكتابة سير بعض الأعلام الثقافية والتاريخية التي تناولتها؟
من أجمل مفاجآت حياتي وأكثرها دلالة عندي أن تختارني عمان من بين كتَّاب الأطفال العرب لإنجاز سلسلة قصصية للأطفال تتناول أعلام عمان قديماً وحديثاً، فكانت مبعث فخر وشرف لي، ولهذا وجهت لي الدعوة لزيارة هذا البلد العربي العزيز، وهناك جرى الاتفاق مع المتحف الوطني على كتابة سير الأعلام: اللغوي الموسوعي الخليل بن أحمد الفراهيدي، والبحار العظيم أحمد بن ماجد السعدي، والخطاط طالب بن مشمل المنحي، والطبيب راشد بن عميرة الرستاقي، والزعيم سلطان بن سعيد البوسعيدي، والدكتورة فاطمة بن سالم المعمرية، وشاركتني الفنانة السورية الكبيرة لجينة الأصيل، حيث كلفت بوضع الرسوم لهذه السلسلة التاريخية المهمة للأطفال بين 7و12 سنة.

السيّاب وتعزيز القيم
_ من بين كل الشعراء المبدعين الراحلين اخترت الشاعر بدر شاكر السياب، لتكتب سيرته قصصياً لليافعين لماذا هو وليس غيره؟
لأكثر من سبب، فالسياب من أهم رواد الشعر العربي الحديث، وحياته مأساوية وغنية بالحوادث، ومن المهم تقديم النموذج والقدوة، فالسياب يعزز قيم الوطنية والأسرة والعلم والإبداع والإنسانية، وكنت محظوظاً أنني عشت في العراق 5 سنوات، وعرفت محيط الشاعر، وزرت قريته وبيته، وسمعت الكثير عنه من أصدقائه، وهناك سبب فرعي، وهو أنني كنت أقدم مساهمتي لسلسلة "أعلام ومبدعون" الشهرية في الهيئة العامة السورية للكتاب عندما تقع في ضائقة ندرة المخطوطات لديها، ولكي أكون دقيقاً تاريخياً، فثمة كتاب "الفراهيدي" صدر قبل الكتاب الخاص بالسياب، وهو كتاب آخر قبل الذي حمل عنوان "أذكى العرب" عن الفراهيدي في عمان مؤخراً، وكان تجربة طريفة لدي حيث كتبت شيئين بأسلوبين مختلفين، الأول للناشئة والثاني للأطفال من سن 7 -12.
_ تبدو كتابة سيرة بعض المبدعين والمتنورين من شواغلك الإبداعية الأساسية حدثنا عنها، ومن هي الأسماء التي كتبت سيرتها قصصياً من تلقاء نفسك، ولماذا اخترتها؟
كتابة سيرة الأعلام للأطفال من أهم وأصعب الكتابات، لأنها تحتاج إلى إلمام واسع بالشخصية ونتاجها، وخلاصة التجارب التي قد تؤثر في صناعة إنسان المستقبل، لكنني بصراحة لم أكتب فيها إلا بتكليف، وعندما قمت بذلك كنت حريصاً على أن أختار وفق معايير: القدوة الحسنة، والحياة الغنية، والنموذج الذي يبني قيم الإبداع والإنسانية والمواطنة والحرية والنبل والاستنارة والعصرية، كل ذلك بأسلوب قصصي مشوِّق، لهذا اخترت: بدر شاكر السياب، والخليل بن أحمد الفراهيدي وبندر عبد الحميد ورفاعة الطهطاوي وابن خلدون.

صنّاع الأمل
_رحل أخيراً الموسيقار الفلسطيني حسين نازك الذي عشش في وجداننا بلحنه وشعر الفلسطيني الراحل أحمد دحبور بأغنية " والله لزرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر" وكان ثمة تعاوناً بينكما، لو تحدثنا عن هذا التعاون، ومكانة الراحل في التلحين للأطفال؟
حسين نازك واحد من الملحنين الكبار في أغنية الطفل عربياً، وهو مع قلة تعد على أصابع اليدين عربياً كمحمد فوزي وحسين قدوري وغزوان زركلي وسهيل عرفة وأمين خياط ورامز محمد وبشر عيسى –مع اختلاف الكم- قدمت أجمل أغاني الأطفال.
لقد عرفته منذ عام 1977 واستمرت صداقتنا حتى وفاته قبل أيام، ومن أهم ما قدمناه معاً: أغنية الافتتاح لمهرجان "تحدي القراءة العربي" وأغنية مهرجان "صناع الأمل" قبل سنوات في دبي.
وبيننا ذكريات طويلة، وخلال عملي في وزارة الثقافة كنت أزوره بشكل شبه يومي، خاصة أن مكتبه قريب من مقر عملي، فأتمتع بأحاديث تحتفظ بأثمن وأطرف الذكريات الشخصية والعامة.
_أصدرت ديوان الطفل العربي في 3 أجزاء، ما محفزات إعدادك هذا الديوان؟
"ديوان الطفل العربي" بأجزائه الثلاثة التي تقارب 2000 صفحة كان مشروع عمري في المتابعة والبحث منذ ما يزيد على ربع قرن، فوضعت مختارات من أفضل ما كتب من شعر للأطفال، مقسماً حسب البلدان، وهذا الجهد يقدم خدمة لواضعي المناهج المدرسية، والأسر والباحثين، فشعر الأطفال مجهول لدى غالبية الناس بعيداً عن النصوص المدرسية. وأعمل الآن على طبعة ثانية بعد طبعته الأولى التي تولتها مشكورة دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 2015.
ومن طرائف ما حصل أن الكتاب سبق أن قُبِلَ في وزارة الثقافة السورية، وتسلمت حقوقي فيه، ثم انتهت 5 السنوات على ذلك، ولم يطبع لسبب أجهله حتى الآن، فقدمته إلى الشارقة، والطريف أن الموافقة جاءتني في اليوم التالي على إرساله.
رداءة مستفزة
_ وفي جانب آخر من شواغلك لك كتاب بعنوان الكشكول، على أي أساس جاءت فيه تلك المختارات الشعرية والنثرية؟
تستفزني رداءة النصوص الشعرية والنثرية المقدمة لأطفالنا في مختلف البلاد العربية، فاخترت نصوصاً قديمة وحديثة مكتوبة للكبار، لكنها سهلة ومشوقة ومفيدة للأطفال، تصلح للكتب المدرسية والمطالعة، وهكذا كانت تجربة "الكشكول".
_ كما لديك دراسة في شعر الأطفال في الوطن العربي دراسة تاريخية، هل أردت التوثيق لبدايات هذا الجنس الأدبي، وتالياً الوقوف على تجدده وإضافاته؟
في كتابي "شعر الأطفال في الوطن العربي" حاولت أن أدرس هذا الشعر منذ شعر ترقيص الأطفال في تراثنا حتى آخر ما نشر في مجلات الأطفال، فدرست هذا الشعر من زاوية نشوئه وأعلامه وخصائصه ومشكلاته وعيوبه، عائداً إلى مصادره الحقيقية لا الآراء والمعلومات المغلوطة، ومن الطريف أن تعلم أن أكثر الدارسين مثلاً يقولون أن أول من ترجم أدب الطفل إلى العربية هو رفاعة الطهطاوي نقلاً عن اللغة الإنكليزية، دون أن ينتبه هؤلاء أن الطهطاوي ترجم عن الفرنسية فقط!! وهذا يدل على التسرع والنقل بلا تحقق، فقد أخطأ الدكتور علي الحديدي أول من ذكر ذلك عن الطهطاوي في كتابه "في أدب الطفل" وجاء الكسالى ونقلوا وكرروا الخطأ نفسه، وصدرت الطبعة الثانية منه عن الهيئة العامة السورية للكتاب أخيراً.
الجوائز تدعم مادياً وإعلامياً
_ وصلت مجموعتك الشعرية "شمس تضحك" للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع أدب الطفل والناشئة، كيف تعطي الجوائز محفزات للمبدع بعد أن تتبلور تجربته ويشار إليها بالبنان؟
لا أوهام لي تجاه الجوائز، ابتداءً من نوبل، لكنها محفز إيجابي ومهم، خاصة إذا اقتربت من الموضوعية نسبياً، وهي لا تصنع أديباً، لكنها تدعمه مادياً وإعلامياً، ولا أخفيكم أنني كنت آمل بالفوز الذي يساعدني مادياً بالدرجة الأولى، واقتربت من الفوز مراراً في مسابقات عربية مهمة، وأهم تلك المحاولات أني وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة الشيخ زايد للكتاب في العام الماضي، وكنت آمل في تخطي جميع العقبات، خاصة أني تقدمت بواحدة من أهم مجموعاتي الشعرية "شمس تضحك" الملحنة والمغناة، وهي صادرة عن دار البنان في بيروت، إضافة إلى موسوعة "ديوان الطفل العربي" الصادرة في الشارقة كعامل مساعد، لكني مع ذلك مؤمن بأن المتقدم إلى أي جائزة يجب أن يقبل النتيجة مهما كانت.
والجوائز رغم كل سلبياتها تبقى عاملاً مهماً في الدعم والتشجيع والرواج، وقلت من سنوات عديدة إن الجائزة الحقيقية لأي كاتب، هي محبة الناس لنتاجه.