تصدح أنغام "المِزْوٍدْ" الموسيقية التونسية التقليدية من ورشة في شمال العاصمة يديرها الخمسيني خالد بن خميس الساعي إلى تطويعها لتنسجم مع إيقاعات موسيقى "الراب" و"الجاز".

المزود آلة نفخ من جلد الماعز وتخاط بالكامل على شاكلة قربة مغلقة بثقبين من الأعلى لنفخ الهواء  عبر قصبتين، وتخرج من أسفلها قصبتان أخريان بخمسة ثقوب، وقرنان يشكلان المزمار. ويصوغ "المزاودي ما يريد من الألحان بأصابعه المتنقلة بين الثقوب بينما يضغط بذراعيه على الكيس المليء بالهواء وينفخ بفمه في الآلة.


يقول خالد بن خميس وهو حرفي أمضى ثلاثين عاماً في هذه الصناعة: "يجب أن تكون كل مكونات الآلة وأجزائها من قرون البقر والجلد الطبيعي لكي تكون هناك روح وتخرج النغمة حنينة وأصيلة".
ويشير إلى تشابه هذه الآلة إلى حد بعيد مع "المزود الإسكتلندي مع بعض الفوارق في الحجم وعدد المزامير"، لكنه يشدد على أن "المزود تغيّر كثيراً مقارنة مع ما كان عليه".

وظهرت هذه الآلة في تونس في مطلع القرن العشرين، وترتبط بأغان عادة ما تثير جوّاً ورقصاً شعبياً، وتتغنى كلماتها بمواضيع جريئة ارتبطت بالأوضاع الاجتماعية، والسياسية، والهجرة، والعنصرية، وهي من "المحرّمات" ولا تروق للسلطة ولا لغالبية العائلات التونسية المحافظة خاصةً أن استهلاك الخمر يكثر خلال الحفلة. وتبعاً لذلك حظرتها السلطة في الحفلات التي تستضيفها القنوات الإعلامية الرسمية إلى حدود التسعينيات.


يُعزف على المزود غالباً في حفلات أعراس في الأحياء الشعبية الفقيرة والمهمشة، وتستعم في أغان تحتوي أحياناً على كلمات تُعتبر غير لائقة داخل الأسر.
لكن فنانين شعبيين على غرار الهادي حبوبة، ونور الدين الكحلاوي، سعوا إلى تغيير "الصورة السيئة" التي التصقت بهذه الموسيقى ونجحوا في جعلها مقبولة أكثر لدى عامة التونسيين ولدى السلطة.
مثّل تنظيم حفلة "النوبة"، وهي عمل فني فيه مزج بين موسيقى تراثية وشعبية وصوفية، في مطلع التسعينيات علامة فارقة في تاريخ هذه الموسيقى، حيث ظهر "المزود" في مهرجانات رسمية كانت بمثابة التمهيد للاعتراف به.
بث الحفل الذي أقيم في مسرح قرطاج الروماني في 1991 في التلفزيون الرسمي.

ويؤكد نور الدين الكحلاوي وهو مغن وفنان شعبي محترف منذ 37 عاماً "تحملنا الانتقادات الشديدة للناس وعملنا بخطوات على تطوير هذا التراث الشعبي على مستوى الألحان والكلمات والعروض حتى أصبحنا نسافر بها إلى الخارج لتقديم الحفلات" بعد أن تغيرت مواضيع الأغنيات لتحتفي بقصص الغرام والحب والروابط الأسرية أساساً.


ويوضح أن من أسباب النّفور من هذا النمط الموسيقي وازدرائه في بدايات بروزه أن "السلطات كانت عندما تبحث عن المجرمين الفارين من العدالة تجدهم في حفلات المزود الشعبية".

لكن الرفض لم يضعف ويتلاشى بشكل كامل، إذ لا تزال مؤسسات رسمية ترفض حفلات مزود على غرار منع حفلة في المسرح البلدي بوسط العاصمة التونسية في 2022 بداعي أن "المسرح لم يحتضن منذ 120 عاماً حفلاً للمزود ولا يمكن خرق هذا التقليد"، وفقاً للمسؤولين.
لكن ذلك يبقى استثناء، فمسار تطوير هذه الآلة وصل إلى حد قبولها في حفلات الأعراس والمهرجانات الفنية وتجاوزه أيضاً.
وظهر خلال السنوات الأخيرة جيل جديد من الموسيقيين الشبان الذين جهدوا لتطويع النغمات الحادّة للآلة لتظهر في شكل جديد وترافق إيقاعات عصرية مثل "الراب" و"الجاز" وتواكب تطور العصر الرقمي.


ونال منتصر الجبالي 32 عاماً دبلوماً في الموسيقى العربية في اختصاص آلة الناي من المعهد العالي للموسيقى في تونس، لكنه يعزف حالياً المزود ضمن فرق موسيقية شابة متخصصة في "الهيب هوب".
ويقول الموسيقي الشاب: "هذه الآلة لا تدرس في معاهد الموسيقى، لكني وظفت معارفي في فهم المزود وبذلك تمكنا من مزجه مع أنواع موسيقية أخرى لأننا أدركنا جيداً مواطن القوة والضعف في الآلة".
ويتابع "نريد أن نذهب إلى العالم بموسيقانا من خلال دمج هذا النغم مع أنواع موسيقية من أنحاء العالم لنغيّر الأفكار... ونثبت موقعه بين بقية الآلات الموسيقية".

ويتلقى منتصر اتصالات من منتجين وعازفين من الخارج لتقديم عروض بالمزود، ويؤكد "نذهب بخطى ثابتة نحو العالمية". وتلقى الحفلات التي يقدمها منتصر وغيره من الفنانين إقبالاً لافتاً من الشباب الباحث عن التجديد وعن إيقاعات تواكب العصر ويتابعها وينشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ويقول الكحلاوي العصامي التكوين: "أنا من المناضلين والمؤسسين لموسيقى المزود منذ زمن بعيد، وعندما أرى محاولات الجيل الجديد الباحث عن التطوير أتمنى لهم كل النجاح لكي تكون بطاقة هوية تونسية في الخارج".
بدوره، يرى أستاذ الموسيقى بالجامعة التونسية والباحث الأكاديمي رشيد الشريف، أن "الخطاب الموسيقي الأصيل يعزّز فكرة الانتماء إلى وطن أو عرق أو ثقافة".
ويضيف أن "تمازج مختلف الأجناس الموسيقية ومنها المزود وألحان الأنواع الموسيقية العالمية" يمثّل "عاملاً مهماً لتصل إلى جمهور أوسع"، معتبراً أن المزود أدى عبر المضامين التي تطرق إليها "دوراً أساسياً" في "تشكيل ذاكرة موسيقية جماعية" للتونسيين.