بعد 86 عاماً، انتهت اليوم الإثنين رحلة سيلفيو برلسكوني الطويلة، أحد أكثر الرجال تأثيراً في تاريخ إيطاليا، كما قالت في نعيه رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.

 فبرلسكوني هو من أعاد تشكيل المشهد السياسي والثقافي والرياضي لإيطاليا، وأسس إمبراطورية إعلامية وعقارية، بعد رحلة ثراء محفوفة بالمخاطر بدأت بسيطة وانتهت به ليصبح واحداً من أغنى أثرياء العالم. 

من هو 

ولد برلسكوني في مدينة ميلانو عام 1936، لعائلة من طبقة متوسطة، والتحق بكلية الحقوق في جامعة الدولية في 1961 حيث تخرج فيها بمرتبة الشرف، وبعد التخرج، لم يؤد برلسكوني الخدمة العسكرية. لقبه الرئيس الإيطالي السابق جيوفاني ليوني بـ"الفارس" في عام 1977، بسبب شغفه بالعمل، ولكنه تخلى عن اللقب في 2014. 

وعرف برلسكوني الأب لخمسة أبناء من زواجين بحبه للنساء الجميلات، ولم يمنعه تقدمه في السن ولا سرطان الدم الذي أنهك صحته، من مصاحبة صديقات جميلات باستمرار. وفي 2020 دخل برلسكوني في علاقة صداقة مع  عارضة الأزياء السابقة مارتا فاسينا التي تصغره بـ53 عاماً والنائب عن حزبه "فورتسا إيطاليا".

حياته السياسية 

كانت مسيرة برلسكوني السياسية طويلة، وبدأت من خلال دعمه للحزب الشيوعي في إيطاليا في عام 1977، ومن ثم بدعم الحزب الاشتراكي خلال ثمانينات القرن الماضي، حتى تأسيس حزب "فورتسا إيطاليا" في عام 1994 الذي شغل فيه أيضاً منصب رئيس الوزراء لأول مرة، وعاد برلسكوني وتقلد المنصب مرتين، في 2001، و2008، ليصبح أطول رؤوساء الوزراء بقاء في المنصب لمدة 9 سنوات. وكان أيضاً عضواً في مجلس الشيوخ، وشريكاً في الحكومة الائتلافية التي ترأسها اليمينية المتطرّفة جورجيا ميلوني، لكنه فشل في تحقيق واحداً من أهم أحلامه الكبيرة، وهو رئاسة الجمهورية، وأخفق في مسعاه بسبب عدم حصوله على دعم في البرلمان.

رسائل إشادة

وشكل رحيله صدمة بالنسبة لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ووصفته بأنه "أحد الرجال الأكثر تأثيراً في تاريخ إيطاليا". وقالت في مقطع فيديو نشرته حكومتها "كان سيلفيو برلوسكوني محارباً قبل كل شيء. كان رجلًا لا يخشى الدفاع عن قناعاته وكانت شجاعته وتصميمه بالتحديد ما جعله أحد أكثر الرجال تأثيرًا في تاريخ إيطاليا".

وقالت ميلوني أيضاً، بالنسبة لي، سيلفيو كان شخصاً عزيزاً وصديقاً حقيقياً". ووصفه نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني في بيان بأنه كان "رجلاً عظيماً وإيطالياً عظيماً". وكتب وزير الدفاع جويدو كروسيتو على تويتر، أن وفاة برلسكوني تصل إلى حد أنها تمثل نهاية حقبة. وقال كروسيتو "لقد أحببته كثيراً. وداعاً سيلفيو".
وجمعت الراحل برلسكوني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين علاقة مميزة، وحين وفاته قال بوتين في برقية نعي "كان برلسكوني صديقاً حقيقياً"، مشيراً إلى إنه دائماً ما كان يعجب ببعد نظر برلسكوني وقراراته المتوازنة. وأضافت البرقية، أن وفاة برلسكوني "خسارة لا تعوض ومصيبة كبيرة".

وتخلل العلاقة المميزة بين بوتين وصديقه الراحل برلسكوني هدايا، ولقاءات كثيرة، وتصريحات مشبوهة، وقدم بوتين له 20 زجاجة من الفودكا في عيد ميلاده الأخير في سبتمبر (أيلول). وحين شنت موسكو الحرب على أوكرانيا، قال برلسكوني معلقاً، إن الرئيس الروسي يريد إطاحة حكومة كييف ليستبدلها بـ"أشخاص طيبين". ونعاه أيضاً رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، وقال "سيلفيو برلسكوني خلف تأثيراً كبيراً في السياسة الإيطالية على مدار عدة عقود، قلوبنا مع الشعب الإيطالي وأسرته". 

رحلة ثراء طويلة 

بدأ برلسكوني حياته المهنية بطريقة مختلفة، شاقاً طريقه الطويل نحو الثراء من باب الفن،  فكان يغني ويروي قصصاً مضحكة على سفن سياحية، وبعد حصوله على شهادة في القانون، دخل مجال الأعمال وتتالت نجاحاته.  وأول نجاحاته كان في مجال العقارات والإعلام. 

وتضم شركة "فينإنفست" التي تملكها عائلة برلوسكوني قنوات تلفزيونية (ميديا فور يوروب) ومجموعة مندادوري للنشر. وكونه محباً لكرة القدم، ترأس أيضاً نادي ميلان لمدة 31 عاماً قبل بيعه في  2017 لمستثمرين صينيين.

يقول أستاذ العلوم الإستراتيجية في جامعة بوكوني بميلانو كارلو ألبرتو كارنيفال مافي لوكالة فرانس برس، إن "سيلفيو برلوسكوني أوجد التلفزيون التجاري في أوروبا، بالتزامن مع البريطانيين، عندما كانت القارة لا تزال تحت احتكار التلفزيون العام الوطني".
وأضاف، أنه اسس قناة تلفزيونية "ذات شعبية واسعة، على طراز الصحف الإنجليزية، نقل الحياة اليومية إلى الشاشات الصغيرة". 

وتمكن برلسكوني من تحقيق أهدافه بفضل الدعم السياسي الجاد من الحزب الاشتراكي الإيطالي وحكومة بيتينو كراكسي، والمصارف أيضاً.
وبفضل هذا الدعم أيضاً، تمكن من إطلاق مشاريع عقارية ضخمة بالقرب من ميلانو (شمال). ومن نجاحاته في ذلك المجال، منطقة "ميلانو 2" السكنية التي شيدها في السبعينيات، على مساحة تقارب 700 ألف متر مربع، وكانت مبتكرة للغاية آنذاك وفريدة من نوعها. 

وأضاف كارنيفال مافي، "كان لديه حدس رائع، لقد صنع (مدينة ذكية) منذ 50 عاماً، قبل أي شخص آخر".

وقادته نجاحاته المتكررة في مجال الأعمال إلى أن يصبح في عام 2004، وفقاً لمجلة فوربس أغنى شخص في إيطاليا وفي المرتبة 169 عالمياً، مع ثروة تقدر بـحوالى 12 مليار دولار. لكن ثروته وثروة عائلته تقلصت إلى 6.8 مليار دولار، ليحل في 2023 في المرتبة الثالثة في إيطاليا والمرتبة 352 في العالم.

فساد وشبهات 

واجه برلسكوني خلال مسيرته الناجحة الطويلة، تهماً كثيرة منها ما يتعلق بالاحتيال الضريبي، واستغلال النفوذ، وفضائح جنسية، وقضايا أخرى،  ووجهت لبرلسكوني عام 2013 تهمة بالاحتيال الضريبي، وحُكم عليه بالسجن 4 سنوات لكنه أُعفي من تنفيذ الحكم لأنه كان يبلغ من السن 76 عاماً واستبدل الحكم بتقديم خدمات مجتمعية غير مدفوعة الأجر. 
وفي الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإيطالي متعثراً، كان برلوسكوني يقيم حفلات الـ"بونغا بونغا" الشهيرة مع شابات لقاء أموال في قصره الفخم بالقرب من ميلانو. وأدت إلى محاكمة انتهت قبل أشهر قليلة.
وفي العام 2010، اتهمت كريمة المحروق (17 عاماً)، المعروفة بلقب "روبي سارقة القلوب"، برلوسكوني بالدفع لها مقابل الجنس.
وأفضت المحاكمة الأولى في قضيتها إلى حكم صدر في يونيو (حزيران) 2013 على برلوسكوني بالسجن 7 سنوات بتهمة ممارسة الدعارة مع قاصر واستغلال السلطة، لكنه بُرّئ نهائياً في مارس (آذار) 2015 في محكمة النقض.
وفي فبراير (شباط) 2023، برأت محكمة في ميلانو برلوسكوني المتهم بدفع رشوة لشهود للكذب بشأن حفلاته الصاخبة,