تعكس مذكرات التوقيف الأخيرة لمحافظ البنك المركزي في لبنان رياض سلامة شكوكاً متزايدة من المجتمع الدولي في النخبة اللبنانية، وقدرتها على الحُكم بطريقة تكنوقراطية وفعّالة.

تذرع سلامة ورفاقه أيضاً بانتظام بأزمات صحية، أو بانتهاكات للسيادة اللبنانية.
والقصة المؤسِفَة التي ميزت لبنان، أثناء معظم وجود محافظ البنك المركزي في منصبه كان قوامها الفساد والصراع اللذان بلغا ذروتهما في الأزمة الاقتصادية والسياسية التي يشهدها لبنان، وفق تحليل ألكسندر لانغلوا، خبير السياسة الخارجية المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وقال لانغلوا، في تحليل بموقع مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، إن القرار الفرنسي في 16 مايو (أيار) الماضي، ومذكرة الاعتقال الألمانية في 23 مايو (أيار)، لمحافظ البنك المركزي المحاصَر واثنين من معاونيه، لا يمثلان استثناءً من الفضائح التي ضربت النموذج المالي السابق للبلد الصغير  في شرق حوض البحر المتوسط، والتي انطوت على تهم غسل الأموال، والاحتيال قبل أشهر قليلة من تنحي سلامة عن منصبه بعد نحو ثلاثين عاماً على رأس مصرف لبنان.

فسادفي بيروت

وأكد ألكسندر لانغلوا أن قراري باريس وبرلين لن يكونا نهاية طريق سلامة أو الفساد الذي يضرب بجذوره في بيروت. غير أن هذه الخطوة تمثل شكاً متنامياً من  المجتمع الدولي في النخبة اللبنانية وقدرتها على الحُكم بطريقة تكنوقراطية وفعّالَة.


وأشار الكاتب إلى أن ألمانيا وفرنسا، بين بلدان كثيرة أخرى تتحقق في فساد محافظ البنك المركزي اللبناني. وتركِّز كل حالة على بعض أو كل جوانب التحويلات المالية التي بلغت 300 مليون دولار إلى بنوك أوروبية من لبنان عبر البنك المركزي، استُخدمت لشراء أملاك وأصول أخرى.
وأعلنت وسائل الإعلام السويسرية أن أصولاً تتراوح بين 300 و500 مليون دولار اختُلِسَت في اثني عشر بنكاً سويسريّاً.
ويحقق لبنان أيضاً مع سلامة رغم المقاومة السياسية العنيفة من المنظومة القضائية التي تُعاني من الاستقطاب الشديد في لبنان.
وأسفرت التحقيقات التي قادتها القاضية غادة عون عن  اتهامات لسلامة بالثراء غير المشروع في أوائل 2022.

إنكار 

ويواصل سلامة إنكار التهم ضده في لبنان أو في الخارج. وأنكرَ شقيقه رجا ومساعده الأسبق أيضاً التهم الموجهة إليهما بمساعدة محافظ البنك المركزي في تحويل الأموال وإخفائها في أوروبا.
ورغم أن الثلاثة حضروا جلسات تحقيق في أوروبا ولبنان مع محققين متخصصين، لكن التحقيقات أرجئت عدة مرات بمساعدة مسؤولين لبنانيين.

حصانات 

وأشار الكاتب إلى أن محكمة التمييز اللبنانية منحت سلامة وكل موظف في البنك المركزي حصانة قانونية شاملة في سبتمبر (أيلول) 2022، ما يكفل لهم الحماية ضد اللوائح المصرفية اللبنانية سيئة التطبيق أصلاً.
وتذرع سلامة ورفاقه أيضاً بانتظام بأزمات صحية، أو بانتهاكات للسيادة اللبنانية لتفادي جلسات الاستماع والإفادات، وهي ذرائع بلغت ذروتها برفضهم حضور جلسة الاستماع في 15 مايو (أيار) أو الإقرار بحقوق المحققين التي أفضت إلى مذكرات الاعتقال الفرنسية والألمانية.

وحظر المسؤولون اللبنانيون سفر سلامة بدل التعاون مع الإشعار الدولي ضد  المطلوبين لإنتربول.
ودافع رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي في وقت سابق عن محافظ البنك، وقال أخيراً إنه سيكمل ولايته التي تنتهي في يوليو (تموز) المقبل، لغياب بديل جدي.
وجدير بالذكر أن لميقاتي وشقيقه طه، علاقات وطيدة بالنظام المصرفي اللبناني، وصلات بتحويلات مصرفية سهَّلها رجاء سلامة بين لبنان وأوروبا، وهي مسألة قيد التحقيق في موناكو.
وهكذا يجد سلامة نفسه في مأزق، لكنه لا يزال محمياً من الطبقة اللبنانية الحاكمة.

كبش فداء

ويمثل محافظ البنك المركزي، لشخصيات مثل حسن نصر الله، أهدافاً سهلة، حسب الكاتب، لصرف الانتباه عن  فساد حزب الله ومشاركته في حكومة، يراها اللبنانيون القلب الفاسد للبلد. وقد يتفق سياسيون آخرون على نحوٍ متزايد على أن سلامة هدف سهل وكبش فداء.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق "هل سيصْرِف حزب الله الانتباه عن الإخفاقات الأكبر للحكومة داخل لبنان، خاصةً أن المجتمع الدولي يعي بالفعل أن نخبة لبنان هي السبب الجذري في انهياره ؟ يتساءل الكاتب.
رغم أنه احتمال بعيد، يقول الكاتب، سيكون من الخطأ أن يرى المجتمع الدولي في سلامة المصدر الأوحد للفساد في لبنان، أو  أن ملاحقته انتصار سريع تمهيداً للمضي قدماً والتصدي لغيره من المشاكل الجذرية التي تُهدد مُستقبل لبنان.
وفي نهاية المطاف، ستؤدي مشاكل سياسية أوسع نطاقاً مثل سِريّة المعاملات البنكية، والضوابط الرأسمالية، وإصلاحات استقلال القضاء دوراً أكثر ثوريةً بكثير في حل المشاكل المزمنة  في لبنان.
ولذلك، يرى الكاتب أن على سلامة أن عبرةً في المستقبل القريب للبنان تجعل المسؤولين الفاسدين يُسَاءَلون عن الجرائم التي أفضت إلى نهب خزائن الدولة على حساب المواطن اللبناني العادي.