سرعان ما تتحول تشكيلة الفرقة الموسيقية العربية أو ما يعرف بالباند لتغيير أعضائها أو تفرقهم، إما لانشغالهم في مجالات فنية أخرى، أو لشح الدعم الإنتاجي المقدم لضمان استمرارية عملهم.
هاشم: الإيقاع اليوم يختلف كثيراً عن الايقاع في السابق وكل سياق يفرز تجاربه
وشكلت هذه الظاهرة الفنية، موضوعاً يستحق الوقوف عنده، لمعرفة أسباب اندثار فرق تحظى بشعبية حال ظهورها، إذ حصدت هذه الفرق جماهيرية كبيرة على مستوى الوطن العربي.
ومن هذه الفرق الموسيقية التي ترى أن نجاحها يكمن في وجودها كفرقة واحدة، وكان لها رواجاً واسعاً منذ نشأتها في 2007، فرقة "أوتوستراد"، وهي فرقة غنائية أردنية مستقلة صدح صوتها من العاصمة عمان.
الباند.. هُوية موسيقية يجمعها الفن
وجاءت فكرة تأسيس الفرقة التي تعتبر مزيجاً بين الأغنية البديلة والروك، بعد صداقة دامت أكثر من 20 سنة بين أعضاءها، ما يعني أن الفرقة تشكلت بفعل فكرة جماعية، جمعتها هُوية فنية واحدة.
يحكي بشار حمدان أحد أعضاء الفرقة لـ 24، قائلاً:"نستوحي أعمالنا بدءاً من الكلمات وصولاً للألحان والتوزيع من الحياة اليومية للأفراد في المنطقة العربية".

وعلى اعتبارهم فرقة موسيقية تطلق الأغنية البديلة فعادة ما تحمل في طياتها يوميات المواطن العربي، بحسب حمدان الذي أكد أن تأثر المنطقة العربية اليوم بالظرف الاقتصادي والاجتماعي الموجود، كان له تأثيراً ملموساً على حياة الشاب العربي وأحلامه.
ويتابع حمدان "دورنا كموسيقيين، أصبح ضرورياً أكثر من أي وقت مضى للتطرق إلى آلام وأحلام الشباب في المنطقة، والذين يجدون في الفن مهرباً من أعبائهم، وطريقة لتحسين حياتهم".
وعن الفئة التي عادة ما تستمتع لموسيقى الروك أو الأغنية البديلة، يقول حمدان لـ 24 إن الشباب يشكل الشريحة الأكبر، إلا أن جميع الفئات مستهدفة بغض النظر عن العمر، لذلك عادة ما يجدون تفاوتاً في أعمار الحضور من 5 سنوات إلى 70 سنة.
وحول اختفاء عدد من "الباند" التي حققت صدى واسع في بداية الألفية، يضيف أن الفرقة الموسيقية هي نتاج عمل جماعي بامتياز، والاستمرارية هي أصعب جزء في بقاء الفرق.
وبالحديث عن انفصال الفرق عادةً، يشير حمدان للأسباب بالقول إن الفرق تنفصل عادة لتحديات تواجه أعضائها، كتقبل بعضهم البعض والقدرة على تحمل الضغوطات الداخلية والإيمان أساساً بالمشروع وما يقدمه من أفكار".
ويكمل "الفرق المستقلة عادة ما تواجه مشاكل مادية في تكاليف الإنتاج، لقلة وجود داعمين لهذه المشاريع، ويعتبر الظرف المادي سبباً أساسياً قد يؤثر في استمرارية الفرق الموسيقية".
وعن انفصال الفرق التي اعتبرت أن تقدم العمر أو نضج أعضاء الفرقة الواحدة فنياً هو السبب في اندثارهم، يرى حمدان أن لا علاقة لعمر الفنان بقدر ما يقدمه من مواضيع وألحان تجذب المستمع.
ظهور الفرقة الموسيقية.. رد فعل لحدث سياسي أو تاريخي
وفي ظهور الكثير من الفرق واختفائها لأسباب غير واضحة، يرى الناقد الفني المصري طارق هاشم أن ظهورها يرتبط بالأحداث الكبرى والظروف التاريخية الشائكة، وعادة وجودها يأتي كرد فعل جماعي على ظرف لا يستطيع شخص بمفرده أن يقاومه.
سرعان ما يذهب صيت الفرق الموسيقية إذ يعتبر هاشم أن زوالها، يرتبط بقوة مقاومة فكرتها الأصيلة، معتبراً أن الفنان صاحب التجربة الحقيقية لا يزول.
ويعدد هاشم لـ24 فرقاً موسيقية عربية اندثرت رغم التأثير الذي أسلفته في أذهان مستمعيها، مثل فرقة المصريين إحدى الفرق المهمة التي بدأت مفهوم الباند الموسيقية، إلا أنها توقفت لانشغال أفرادها بالحياة المعيشية".
المصريين والجيتس والأصدقاء.. نماذج اندثار الفرقة الموسيقية
ويضيف هاشم أنه بعد المصريين، ظهرت فرقة الجيتس، وفرقة الحب والسلام التي توفي أحد مؤسسيها نبيل البقلي، وظلت تقاوم حتى تجاوزتها المرحلة بفعل الظروف الإنتاجية الصعبة، وأيضاً فرقة الأصدقاء التي نالت شهرة واسعة وتفرق أعضاؤها لإنجاز تجاربهم المستقلة كعلاء عبد الخالق ومنى عبد الغني.
وعن توجه الفرق الفنية لفئة مستمعين معينة، يقول طارق هاشم إن الفن الذي تقدمه الفرق الغنائية فناً موجهاً، لأنه عادة ما يعبر عن مشكلات اجتماعية وسياسية تخص كافة الأعمار فالشاب يجد فيه ما يعبر عنه كذلك.
وفي سياق عرض الفرق الغنائية التي تلاشى ذكرها رغم رواج أغنياتها، تعتبر فرقة "واما" الموسيقية المصرية، مثالاً استفاد فيه جميع أفرادها من نجاحها كفرقة، ليتمكنوا بعدها من إيجاد مساحتهم الخاصة في عالم الفن، والعمل بشكل مستقل في قطاعات فنية مختلفة.
وعلى خطاها كانت فرقة فور كاتس، المكونة من فتيات لبنانيات، قدمن أعمالاً فنية من خلال إعادة إحياء أغانٍ قديمة، والعمل على أغاني حصرية للفرقة بإعادة إحيائها، ومثل باقي الفرق الغنائية في العالم، فما إن مكث أعضائها عدة أعوام، ثم تفرقوا.
إذ يعتبر هاشم أن الاختلاف بين الفرق الموسيقية اليوم، وقديماً هو فارق السياق التاريخي والاجتماعي لظهورها وهو ما نسميه الإيقاع.
ويشير هاشم إلى أن الإيقاع اليوم يختلف كثيراً عن الايقاع في السابق، وكل سياق يفرز تجاربه، فحركة التاريخ هي المحرك الرئيسي لكل هذه التجارب.