تتفاقمُ معضلة "عمالة الأطفال" في العالم يوماً بعد يوم، فلم تعد هذه القضية عنواناً جاذباً يستحقُ القراءة فحسب، بل أصبحت ظاهرة ينبغي الرجوع وراء أسبابها والحد منها.
البطالة بين الكبار أجبرت الكثير من الأهالي على إرسال أبنائهم للعمل
قلة الثقافة لدى الكثير من الأسر تشكل عاملاً مهماً في زيادة معدلات عمالة الأطفال
جاءت اليمن بمعدل مرتفع في عمالة الأطفال، إذ شكلت النسبة 11%
يجب على الحكومات سن جوانب تشريعية صارمة للحد من عمالة الأطفال
يعتبر الثاني عشر من حزيران، اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال، حيث تصدر المنظمات الدولية والحقوقية تقاريرها المختصة بهذا الشأن، إذ كان لتقرير منظمة العمل الدولية، المنشور في الإثنين 12 يونيو (حزيران)، صدى واسعاً ينبئ عن تسجيل ارتفاع في عدد الأطفال العاملين حول العالم، إذ وصل العدد إلى 160 مليون طفل.
وبحسب التقرير، فإن أفريقيا تحتل المرتبة الأولى في قائمة أكثر مناطق العالم انتشاراً لعمالة الأطفال بمعدل 72 مليون طفل، تليها منطقة آسيا والمحيط الهادئ في المرتبة الثانية حيث يصل العدد إلى 62 مليون طفل.
عمالة الأطفال.. سلب للحقوق
تعتبر مديرة البرامج في مؤسسة "تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان"، الصحفية المختصة بشؤون العمل والعمال رانيا الصرايرة، أن عمالة الأطفال، جزء من سلب الحقوق الشخصية والاجتماعية والأخلاقية للطفل.
وتشير الصرايرة في حديثها لـ 24 إلى أن "العمالة فيها إجبار للطفل على ترك التعليم، أو العمل إلى جانب المدرسة، وهذا تغوّل على حقوقه الأساسية".
فيما تحتل قضية عمالة الأطفال أحد أهم القضايا الإنسانية، نظراً لارتباطها بحقوق الطفل، وتعدد الصرايرة بأسف أسباب الظاهرة قائلة: "البطالة بين الكبار، أجبرت الأهالي على إرسال أبنائهم للعمل".
إذ تعتبر أن نسبة إيجاد الطفل لفرصة عمل كبيرة، إذا ما قورنت بالأجر الزهيد الذي سيحصل عليه، ولا يشترط توفير بيئة عمل لائقة، ولا يطلب شروط سلامة جسدية، ما يضعه في مصيدة أرباب العمل".
كما اعتبرت أن قلة الثقافة لدى الكثير من الأسر تشكل عاملاً مهماً في زيادة معدلات عمالة الأطفال، فكثيراً من العائلات تلغي تعليم أطفالها وتخرجهم من المدرسة دون إكمال تعليمهم، ومن جهتها، "عامل الفقر الذي يرتبط بشكل مباشر بارتفاع معدلات عمالة الأطفال".
إعاقات جسدية تخلفها عمالة الأطفال
وكانت هذه الأسباب خلقت حالة من التنبه إلى خطورة الظاهرة وما قد ترسمه من تشويه لحيوات الكثير من الأطفال، إذ توضح الصرايرة لـ 24 "أن عمالة الأطفال قد تؤثر على أجسامهم، وتتسبب لهم بإعاقة جسدية إذا كانت الأعمال شاقة الخطورة مثلاً".
وما تبدي الصرايرة من تخوف حياله هو "الاعتداء الجنسي، والانتهاك الجسدي الذي قد يتعرض له الطفل في مكان العمل، هو الهاجس الأكبر"، فهنالك استغلال جسيم للأطفال في تشغيلهم في الدعارة أو النوادي الليلية".
وبالإشارة إلى الدول العربية التي تسجل ارتفاعاً ملحوظاً في نسب عمالة الأطفال، جاءت اليمن بمعدل مرتفع في عمالة الأطفال، إذ شكلت النسبة 11%، فيما اعتبر الكثيرون أن للحروب والآثار الجسيمة التي أسلفتها جائحة كورونا، سبباً في تفشي الظاهرة.
تستعرض الصرايرة ارتفاع العدد الرسمي لعمالة الأطفال في الأردن والتي تُعتبر بؤرة تتنامى فيها عمالة الأطفال، إذ تشير إلى أن "هناك قلة في المعلومات الوطنية الصادرة في هذا الشأن".
وتكمل الصحفية المختصة بشؤون العمل والعمال "بلغت نسبة عمالة الأطفال ما يزيد عن 75 ألف طفل عامل، بحسب المسح الوطني لعام 2016، منهم 45 ألف طفل يعملون في أسوء أشكال المهن الخطرة لعمالة الأطفال"، وتضيف "أنه وبحسب تقارير محلية أردنية، وغيرها صادرة عن منظمة العمل الدولية، فتتجاوز نسبة عمالة الأطفال اليوم 100 ألف".
1.6 مليون طفل يعمل في مصر
وبالرغم من عدم دقّة الأرقام المنشورة عن نسبة عمالة الأطفال في مصر، إلا أنه واعترافاً من الباحثين في هذه الظاهرة، لم تسلم مصر من تسجيل ارتفاعاً في معدلات عمالة الأطفال إذ أنه بلغ عددهم 1.6 مليون طفل، تُسلب طفولتهم في أعمال مختلفة.
على أية حال، فإن هذه الظاهرة تتنامى كل يوم، إذ تشير الصرايرة "إلى واجب الحكومات في سن جوانب تشريعية صارمة للحد منها، وإجراء حملات تفتيشية بشكل دائم، واتخاذ إجراءات رادعة تحد من ممارسات أصحاب العمل المُجحفة بحق الأطفال".
وتعتبر أن على المؤسسات المسؤولة "عمل حملات رفع وعي على مخاطر تشغيل الأطفال".
فيما ترى مديرة الإعلام والمناصرة في منظمة إنقاذ الطفل نادين نمري، "أن دور منظمات المجتمع المدني مكافحة عمل الأطفال"، بالرغم من أن "هذا العمل لا يتم بشكل فردي، بل يحتاج إلى تكثيف جهود تشاركية، تدمج مؤسسات المجتمع المدني مع الجهود الحكومية" في هذا ما تعتبره النمري ضمان لتحقيق نتائج في تخفيض عمالة الأطفال.
تشير النمري في حديثها لـ24 إلى أن هناك انتشاراً لعدد من المنظمات الحقوقية المهتمة بحقوق الأطفال، إلا أنه عليهم التنسيق سوياً للوصول لجميع الفئات وضمان الاستمرارية، وفي السعي لضمانها تعتبر النمري أن العمل بنفس واحد عليه أن يتواجد دائماً في القضايا الحقوقية، إذ أن العمل الإنساني مرهوناً بفرص التمويل.
ارتفاع الفقر والبطالة.. سبب لعمالة الأطفال
تربط مديرة الإعلام والمناصرة في منظمة إنقاذ الطفل في حديثها لـ 24 سبب عمالة الأطفال بشكل أساسي بالظروف الاقتصادية والاجتماعية المُترهلة، وتقول: "كلما ارتفعت نسب الفقر والبطالة عند البالغين، كلما زادت عمالة الأطفال".
ومن جهتها، "يعتبر الفقر واحد من استراتيجيات التكيف السلبية التي تلجأ لها الأسر في الأوضاع الاقتصادية الصعبة"، عدا عن تراجع الثقافة لدى بعض الفئات الاجتماعية، التي تعتبر من وجهة نظرها تحتاج لمزيد من جهود رفع الوعي والتثقيف.
وأيضاً، تعتبر النمري أن التسرب المدرسي سبب رئيسي لـ عمالة الأطفال، إذ أننا بحاجة لتدخلات تبدأ من المدرسة والمناهج التعليمية التي تتوائم ورغبات الأطفال وحاجاتهم.
كما يظهر أن ظاهرة ترك التعليم للتوجه لسوق العمل، شكلت عاملاً رئيسياً لارتفاع نسبة عمالة الأطفال في سوريا، ففي تشخيص الظاهرة في سوريا، بعد حرب دامت لأكثر من 11 عاماً، تقدر بعض المسوحات والتقارير ارتفاع النسبة خلال أعوام الحرب بنحو 20-30 ضعفاً.