بابوا غينيا الجديدة، التي كانت دولة فقيرة تجثم الاضطرابات عليها، تستعيد أهميتها في العصر الجيوسياسي الجديد، بسبب الغاز الطبيعي المسال.
صراع أفيال بين أمريكا والصين فوق رقعة عشب بابوا غينيا الجديدة
لعل ميناء بورت مورسبي المحاط بالتلال الخضراء الغنّاء لم يشهد مثل هذه الضجة العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، عندما دافع عنه الأمريكيون والأستراليون دفاعاً مستميتاً ضد القوات اليابانية.
فقد توالت الوفود على البلد مؤخراً، وكان مفترضاً أن يزوره الرئيس الأمريكي جو بايدن في مايو "أيار" الماضي، لكنه اضطر إلى إلغاء خططه بسبب مشكلات محلية تتعلق بسقف الديون الأمريكية.

وحلَّ محله أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي، الذي وقع اتفاقية تعاون دفاعي مع بابوا غينيا الجديدة في مايو (أيار)، وحذا حذوه وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن يومي 26 و27 يوليو، وإن يكن لم يطل كثيراً أمام الإعلام.
غنيمة جيوسياسية
وفي هذا الإطار، قالت مجلة "إيكونوميست" البريطانية في تقريرها إن بورت مورسبي أمست مجدداً غنيمة جيوسياسية، ولكن في سياق السباق المحموم بين الولايات المتحدة والصين هذه المرة.
تقول الدبلوماسية السابقة في بابوا غينيا الجديدة وينين كياب: "إننا في حيرة من أمرنا. الأمر أشبه بمشاهدة فيلين يتصارعان فوق رقعة من العشب، وهذه الرقعة هي بلدنا".. وأضافت أنه في الحرب العالمية الثانية "كنا في حالة حرب لم يكن لنا فيها ناقة ولا جمل.. وما يحدث الآن ما هو إلا تكرار لذلك المنطق".
وأشارت المجلة البريطانية إلى أن بابوا غينيا الجديدة، التي كانت دولة فقيرة تسودها الاضطرابات، تستعيد أهميتها في العصر الجيوسياسي الجديد بسبب الغاز الطبيعي المسال.
فبابوا غينيا الجديدة قريبة من دولة غوام التي تعد مركزاً عسكرياً أساسياً لأمريكا في المحيط الهادئ، وتهيمن على الطرق المؤدية إلى أستراليا، التي تعد بدورها المعقل الأمريكي الأهم.
أسباب أهمية بابوا غينيا الجديدة
ووفق تقرير إيكونوميست، فمن الأسباب الأخرى التي تبرز أهمية بابوا غينيا الجديدة مواردها الطبيعية، ليس الذهب وحسب الذي عظمَت أهميته في الماضي، وإنما المعادن أيضاً الضرورية للثورة الخضراء، كالنيكل الذي يستخدم في صناعة البطاريات والنحاس.
وتتحول بابوا غينيا الجديدة حالياً إلى دولة مصدرة رائدة للغاز الطبيعي المسال بالتعاون مع شركات النفط الأمريكية والفرنسية.
وهناك عنصر ثالث، بحسب بول باركر من معهد الشؤون الوطنية، وهو مؤسسة بحثية تابعة لبابوا غينيا الجديدة، يتمثل في دور الدولة بصفتها بلداً نافذاً في منتدى جزر المحيط الهادئ الذي يضم 18 دولة.
لطالما عدت الولايات المتحدة المحيط الهادئ بحيرة أمريكية، لكنها تركت الشق الأكبر من الجهود الدبلوماسية إلى أستراليا، وتعد صفقة الدفاع الأمريكية مع بابوا غينيا الجديدة تحركاً مضاداً صارخاً رداً على اتفاق الصين مع جارة بابوا غينيا الجديدة.
وبينما عرَّج لويد أوستن على بابوا غينيا الجديدة، كان بلينكن في طريقه إلى تونغا ونيوزيلاندا.
وأعلن أوستن وبلينكن عن عدة تدابير لتعزيز "تحالفهما الحصين"، منها على سبيل المثال تحديث القواعد العسكرية في شمال أستراليا، وإنشاء مراكز لوجستية مشتركة، وإحكام التحالف مع اليابان، والتعاون في مجال الفضاء وتسريع إنتاج أستراليا للصواريخ.
الاختيار بين أمريكا والصين صعب
وأوضح التقرير أن كثيراً من البلدان في المنطقة لا تود الاختيار ما بين أمريكا والصين. فقد أقر رئيس وزراء بابوا غينيا الجديدة جيمس مارب بأنه صديق لجميع البلدان ولا يناصب أحداً العداء، وأن دولته بحاجة إلى تعزيز قواتها الدفاعية، وما من خيار أفضل من "أكبر ديموقراطية وأكبر جيش لإقامة شراكة في هذا السياق".
وأصر مارب على أن الولايات المتحدة "دُعيت" إلى الشراكة، وأن قوات بابوا غينيا الجديدة سيكون لها الكلمة العليا دائماً وابداً.
وستساعد الولايات المتحدة على بناء القواعد العسكرية وتحديثها في أماكن مثل جزيرة لاي ومانوس، وستُمنح حق الوصول إليها بلا عائق، رغم أن أوستن حرص على التصريح "أننا لا نسعى إلى الاستقرار في قواعد بابوا غينيا الجديدة بشكل دائم".
وفي نهاية المطاف، ستعقد أمريكا الآمال على أن يسمح لها الوصول إلى بابوا غينيا الجديدة بتوزيع قواتها وخدماتها الوجستية بينما تبتكر سبلاً للقتال بطريقة "موزعة"، وبذلك تسمح بوجود أهداف سهلة أقل أمام الصواريخ الصينية.

شبكة من الشراكات الأمنية
وسجلت إقامة أمريكا لشبكة من الشراكات الأمنية في قارة آسيا تقدماً مدهشاً، غير أن أياً من هذه الشراكات لن يضمن لها أن تمد لها يد المساعدة أي دولة في أي صراع مستقبلي لها مع الصين.. ورغم ذلك، تعتقد الولايات المتحدة أنّ فرص حشدها للحلفاء مستقبلاً ستتحسن بإقامتها لعلاقات وثيقة حالياً.
وفي الوقت عينه، يقول التقرير إن هذه الشراكات تثير حالة من الغموض وعدم اليقين في الصين، لأنها لا تستطيع أن تجزم أي البلدان ستنأى بنفسها عن الحرب المستقبلية، أو ما يكمن في غابات بابوا غينيا الجديدة وملاذاتها ومهابطها الجوية.