صلاح البلك- صحيفة الوطن المصرية
ليست الحرب الأخيرة
أنهت الحرب الدائرة فى غزة فرص السلام الذى لم يكن قريباً على الإطلاق، ووفق مخطط إسرائيلى سبق إعداده وتنفيذه يجعل حل الدولتين «محض خيال» روج له كل من لم يكلف نفسه دراسة الأمر الواقع على الأرض.
سلسلة طويلة من الإجراءات فرضها الاحتلال طوال العقود الماضية، تصدرتها حركة استيطان واسع، استولت بموجبه على الأراضى المقترحة ضمن مبادرات السلام، التى سبق طرحها من قبل الأطراف العربية والدولية، أجهضت كل التصورات، وحولت الأمر إلى المستحيل الذى لا يمكن تحقيقه، ولم يعد ممكناً وفق أي خارطة طريق يمكن للطرف الفلسطيني قبولها.
يمثل الاستيطان عقبة رئيسية أمام التوصل إلى حل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، كما أنه يعد عملاً مخالفاً للقانون الدولي، ورغم ذلك استمر وتزايد فى عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والحكومات اليمينية المتعاقبة، التى حرصت على خلق واقع يستحيل تغييره ويصيب العملية السلمية فى مقتل.
يقترب عدد المستوطنين من المليون، ينتشرون فى كل الأراضى الفلسطينية، حيث يعيش أكثر من نصف مليون إسرائيلى في مستوطنات غزة والضفة الغربية، كما يحتل 230 ألف مستوطن أجزاء من القدس الشرقية، التي من المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المقترحة، والمرجح أن الأمر لن ينجح طالما بقي هؤلاء وممارساتهم في اقتحام المسجد الأقصى والاعتداءات المتكررة على الفلسطينيين.
لا يمثل السلام القائم على العدل أي قيمة لدى المجتمع الإسرائيلى بالكامل، ويتساوى في ذلك أحزاب اليمين واليسار باستثناء أصوات خافتة لبعض المثقفين، وقد لا يتعدى عددهم أصابع اليدين، وهو ما ينكشف تماماً في موسم انتخابات الكنيست الإسرائيلي، حيث تتجنب أحزاب الوسط التطرق للقضية الفلسطينية من قريب أو بعيد، فيما تجهر أحزاب اليمين بموقفها الرافض والمعادي، بينما تطرح أحزاب اليسار حل الدولتين على استحياء ورؤيتها غير قابلة للتطبيق من قبل الفلسطينيين.
لم يعد أمامنا سوى التعامل مع الموقف بمنتهى الشفافية فنحن أمام شعب يصوت لصالح المتطرفين وأحزاب لا تعمل من أجل تحقيق سلام حقيقي، وكل ما يسعون له التخلص من كل الفلسطينيين، وهو ما يجوز وصفه بـ«تصفية القضية» باستخدام القوة المدعومة بمواقف الغرب السياسية المؤيدة على الدوام ودون مراعاة لما يسمى بالقانون الدولي أو دعوات المؤسسات الأممية «الأمم المتحدة ومجلس الأمن»، التي احترفت الفشل طوال عقود فيما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لن تكون الحرب الأخيرة ولن تفلح إسرائيل في القضاء على المقاومة بعناصرها المقاتلة على الأرض أو على فكرة المقاومة التي تشكل عقيدة ثابتة لدى شعوب المنطقة التي ترسخ لديها عداء مباشر ضد الصهاينة وجيشهم ودولتهم، ولم ولن تفلح معاهدات «السلام الكاذب» في تحسين الصورة الذهنية أو قبول تصورات الحلول التي لا تتسم بالعدالة.
نحن على أعتاب مرحلة خطيرة أياً كانت نتيجة الحرب الدائرة، التي لن تنتهى بانتصار إسرائيل بأي حال من الأحوال بعد أن تحقق مفهوم «هزيمة جيش الدفاع الإسرائيلي» على يد عناصر المقاومة رغم التفاوت الرهيب في السلاح والإمكانيات العسكرية، ما يشجع الانخراط في المقاومة بعد أن تأكد إمكانية تحقيق النصر العسكري والاستخباراتي لمن هم أقل عدداً.
مبالغة إسرائيل والغرب في إظهار العداء لكل ما هو عربي ومسلم والإفراط في استخدام القوة كما يحدث في غزة بالإضافة إلى جرائمهم السابقة وما قد ينتج عن الاجتياح البري المرجح وقوعه بين لحظة وأخرى رسخت مفاهيم تنسف فكرة السلام الممكن من الأساس.
المراهنة على مواقف البعض في حكومات العرب الذين تعتقد إسرائيل أن التحالف معهم وتوقيع الاتفاقيات سيجلب لها السلام خدعة كبرى تسوق على عكس الواقع، وعلى الجميع مراقبة سلوك الشعب المصري الذي رفض التطبيع طوال أربعة عقود هي عمر معاهدة كامب ديفيد، ليثبت أن السلام مع الشعوب التي تعرف عدوها الحقيقي ولا تنسى ثأرها أبداً أمر مرهون بالمصداقية، وقد انتقل قطاع غير قليل منهم إلى منطقة الرفض لكل الحلول التي لا تلبي تطلعات شعوب قدمت التضحيات من أجل العدالة التي لم تتحقق بعد.
لن يكون هناك سلام ولن تنتهي الحروب ما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة في إقامة دولته المستقلة، ولن يقبل بأقل من كامل التراب الفلسطيني، بعد أن أيقن أن آفاق الحلول السلمية باتت ضيقة وشبه منعدمة، وأن تجاوبه وقبوله بالقليل لم يشفع في تحقيق مطالبه العادلة.