د. عبدالله ماجد آل علي
FYI
من المعروف أن قيادتنا توصي على الدوام باعتماد اللغة العربية لغة رسمية في جميع المخاطبات الداخلية والخارجية في مؤسساتنا، لكن بعض الموظفين لا يلتزم بها، بل إن بعض اجتماعاتنا ومراسلاتنا لا تتم إلا بلغات غير عربية، سواء أكانت الإنجليزية أم سواها.
وتعدّ "الاجتماعات" سمة طاغية في معظم مؤسساتنا، فلا يُتخذ قرار، ولا تناقش خطة عمل، من غير برسنتيشن (عرض)، حتى بات يشعر المرء أن حياتنا كناية عن اجتماعات متلاحقة، فكلما حاولت الاتصال بأحد المعارف أو الأصدقاء خلال وقت العمل، أجده يجيبني بصوت هامس: "أنا في اجتماع... في شيء".
لا اعتراض ولا خلاف على هذا كله، أما أن تكون لغة الاجتماعات في بعض مؤسساتنا تتم حصرياً بلغات غير العربية، فهذا ما لا أفهمه ولا أجد له تفسيراً، إذ كيف يمكن للموظف التفكير بلغة غير لغته الأم التي نشأ عليها وتعلم بها، أكاد أجزم أن بعض من يحضرون تلك الاجتماعات يبدون موافقتهم على كل ما يقوله "الخبير الأجنبي" أو الخبير العربي المتحدث بلغة أجنبية، أو لما يحاول أن يوصله لهم زميلهم الناطق بغير العربية، من غير أيّ مناقشة أو تفكير، خوفاً من الإحراج و"الفضيحة" إذا تحدّث وأخطأ.
لو كان الأمر شكلياً فحسب، لما توقفنا عنده، لكن مثل هذه الاجتماعات لا يمضي دون تبعات، فكم من قرارات خاطئة اتخذ في هذه الاجتماعات، ربما أحياناً بسبب سوء الفهم المحض، الناشئ من الفروقات الصغيرة بين اللغات. فلكل لغة خبايا وأسرار وفوارق دقيقة تميزها عن غيرها، بل تجد أحياناً أن مفردات لغة ما، تحمل عكس المضمون الذي تحمله في لغة أخرى، أو حتى في لهجة أخرى. وأذكر هنا ما رواه لي صديق يجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة عن فريق عمله المجيد للإنجليزية مثله، والذين لا يستطيعون التعبير عما يدور في أذهانهم بالإنجليزية، مما يؤكد أنه إن كان من الممكن النطق بلغة ما، فمن الصعب التفكير والتخيل بلغة غير اللغة الأم.
والطامة الكبرى أن بعض المسؤولين بات يقيم موظفيه على قدر معرفتهم باللغة الأجنبية، حتى بات من يتقن لغة أجنبية هو الحصان الرابح الذي ينال المناصب والترقيات، وأحياناً نجد أن موظفاً يمتلك كل الإمكانيات والمؤهلات المطلوبة لكنه لا يجيد "اللغات"، كما يقال، فيحرم من الترقية أو المناصب ولا يعتد بخبراته وشهاداته أو حتى معرفته.
كثير من المراسلات بين بعض المسؤولين هي عبارة عن اختصارات لجمل وتمرير لموضوعات من غير البت فيها أو حتى قراءتها، وكلي ثقة من أن الكثيرين لا يستطيعون الكتابة بطلاقة من غير مترجم ومدقق لغوي وأحياناً كثيرة سكرتيرة متعددة اللغات، ولعل أكثر اختصارين مستخدمين هما(FYA , FYI ) وهما اختصار لـ "يرجي اتخاذ اللازم"... و "لمعلوماتك".
يقال إن اللغة هي وعاء الثقافة والمعرفة فلابد من المحافظة على لغتنا العربية، ولا ضير في أن نتعلم لغة أخرى، شريطة ألا ننسى هويتنا وثقافتنا، والأهم من ذلك ألا ننسى كيف نستمتع بحياتنا ونعيش مشاعرنا وأحاسيسنا، باللغة التي نعرفها جميعاً.