الأديب المصري علي حسن، جيولوجيٌ عشق الأدب وأبدع في القصة القصيرة والرواية.
العميد طه حسين قيمة ثقافية وفكرية وحضارية لا مثيل لها
مي زيادة مثال عظيم للمرأة الشرقية
صدر لحسن كتاب ومجموعتان قصصيتان، وروايتان، وهم على التالي: "التطرّف مهنة الإنسان الأولى"، "قطعة صغيرة من الشيكولاتة"، "الخريف يلملم أوراقه"، "أنا مي زيادة"، "كاتنجا.. الخمر والبارود".
نبّه في أكثر من مقالة له إلى ضرورة الاهتمام بأضرحة المبدعين المصريين وفي مقدمتهم ضريح العميد طه حسين وضرورة نقله إلى متحفه أو إلى منزله.
كان لـ24 معه الحوار التالي:
ما هي دوافعك لمقاربة موضوع حدث خارج أرض مصر، وهو تحرر شعب الكونغو من الاستعمار البلجيكي، في روايتك (كاتانجا...الخمر والبارود) الصادرة مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب؟
عملتُ لأكثر من عشر سنوات في أفريقيا، من (2010-2021) وكنت سعيد الحظ إذ زرت أغلب دولها، كينيا، أثيوبيا، أنجولا، موزمبيق، ج. أفريقيا، ساحل العاج، تنزانيا، الكاميرون، الكونغو، وأخيراً غانا، بهرتني هذه الدول بطبيعتها الساحرة، وبيئتها البكر، الغنية جداً بمواردها ومحاصيلها وثرواتها الطبيعية، كما أن لها عادات وتقاليد خاصة، لا تختلف من دولة إلى أخرى فقط، وإنما من قبيلة إلى قبيلة داخل الدولة الواحدة.
لكل قبيلة موروثها الثقافي، تاريخها، عاداتها، لغتها التي تعتز بها وتحافظ عليها، بغرسها في الأجيال الجديدة، رغم استعمالهم للغة المحتل الأبيض.
تضيق المساحة هنا للحديث ببعض التفاصيل الهامة بكل بلد وشعبه، ما يحصنا هنا الكونغو الذي زرتها أول مرة عام 2005 فرغم الثراء الفاحش لبعض الكونغوليين، إلا أن الغالبية العظمى من هذا الشعب، كان وما زال يعيش تحت خط الفقر بمستويات متدنية، إلى حد الموت جوعاً، ناهيك عن الإيدز والملاريا.
حينئذ، كان الأطفال يأتون إلى جهاز الحفر الذي أحاطت به القرى من كل جانب، طلباً لكوب ماء نظيف، رغيف خبز طري، ثمرة موز، كذلك النساء، كن يحملن على ظهورهن أو بطونهن، أطفالاً داخل قطع من القماش المهلهل القذر.
وعلى النقيض من كل هذه الأوضاع السيئة، والصور القاتمة المؤسفة، كان السكان البيض، وتحديداً البلجيكيين، يعيشون داخل معسكرات "كومباوندات" غير مسموح نهائياً لأي مواطن كونغولي الاقتراب منها، إلا لتنظيفها وحمل القمامة! وكان يسمح لهم بالعمل في المطابخ، لكن ذلك كان مقيداً بشروط بالغة التعقيد صحياً وجسدياً مع حلاقة شعر الرأس تماماً.
كل هذه المشاهدات المؤلمة، كانت حافزاً على التفكير، والتساؤل المُلِّح: كيف لمثل هذه الدولة وغيرها من الدول الأفريقية التي تعاني الأوضاع نفسها، دولة يطحنها مثلث رهيب من الفقر والجهل والمرض؟ إن دولاً كهذه كان حرياً بها أن تعيش في رغد ورفاهية، وتنعم بثرواتها وكنوزها!
كان ذلك دافعاً أيضاً كي أقرأ عن هذه الدولة، وعن تاريخ أجهله، كذلك عند زيارتي لمدينة نيروبي - كينيا، كانت المدينة جميلة، تشبه إلى حد بعيد المدن الإنجليزية، حيث دام الاحتلال البريطاني لكينيا أكثر من 43 عاماً (1920-1963) بينما استمر في غانا لأكثر من 60 عاماً (1896-1957).

التخطيط للمستقبل
ذهبت إلى رمزين تاريخيين في روايتيك، الأول كان أدبياً والثاني كان مناضلاً سياسياً، هل حافزك الأساس الاستفادة من دروس الماضي وتجاوز الأخطاء، أم ثمة حوافز أخرى؟
ليس هناك ما هو أعظم من التاريخ لاستجلاء العبر والدروس، وبناء الحاضر والتخطيط للمستقبل على أساس من العلم والخبرات. الأمم تبني المجد على أكتاف المرأة والرجل على حد سواء، هنا كانت "مي زيادة" مثالاً عظيماً للمرأة الشرقية، بما تمثله من ثقافة ونبوغ، ورغم اسمها الذي كان ملء السمع والبصر، إلا أنها وقعت فريسة للتآمر والظلم من القريب والصديق، لا لشيء إلا لأنها امرأة، لا حق لها في الميراث، أو التصرف في أموالها! رواية "أنا مي زيادة" تعد تسليطاً للضوء على نابغة الشرق، وتأكيداً على أن المرأة حتى الآن ما تزال تعاني الغبن والتهميش.
الشخصية المحورية في الرواية هي "مريم عبادة" فتاة مصرية، تعرضت لظلم عائلي شديد، فأصيبت بحالة فصام، تقمصت نتيجة لذلك شخصية "مي زيادة" التي تشبهها.
ومن خلال "مريم" أعدت طرح قضايا المرأة في مجتمعنا العربي، بعد مرور مئة عام، فإذا بنا نكتشف أن وضع المرأة زاد سوءاً وتهميشاً وازدراءً!
في "كاتانجا.. الخمر والبارود" أذهلني الدور المحوري الذي قامت به مصر في أفريقيا، ومساندتها لحركات التحرر في أغلب دول أفريقيا مثل كينيا، الكونغو، غانا فترة الستينيات، وكلها دول مررت عليها وعاينتها بصورة تفصيلية، فلم أتناول المناضل الأفريقي "باتريس لومومبا" أو رفيقه في النضال "بيير موليل" فقط وإنما تناولت حركة الماو ماو في كينيا، وكيف دعَّمت مصر حركة التحرر ضد الاحتلال البريطاني، كذلك الزعيم "كوامي نكروما" في غانا.
لقد كانت العلاقات المصرية الأفريقية مذهلة فترة الستينيات، كانت شديدة التقارب، إلى درجة أن أبناء لومومبا تربوا في بيت جمال عبد الناصر، تحت إشرافه ورعاية السيدة "تحية" زوجته.
كذلك زواج "نكروما" من فتاة مصرية، هي السيدة "فتحية".
ولكي توافق والدتها على زواجهما أمر الزعيم عبد الناصر تسيير ثلاث رحلات أسبوعياً ما تزال موجودة حتى الآن بين (القاهرة - أكرا) كنت ضمن المستفيدين منها أثناء عملي في غانا لمدة 5 سنوات متصلة.

رمز ثقافي عربي
مجدداً طُرحت مسألة نقل ضريح العميد طه حسين إلى بيته أو متحفه، من قبل الناقد العراقي د. عبد الله إبراهيم خلال مشاركته مؤخراً في المؤتمر الذي خصص لطه حسين ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكُنتَ قد طرحت المسألة أكثر من مرة. في رأيك لماذا حتى الآن وزارة الثقافة غير مهتمة بنقل الضريح والحفاظ عليه؟
البيئة الثقافية المصرية ليست في أفضل أحوالها، ربما بسبب الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به مصر حالياً.
ومن المؤكد أن الاهتمام بالثقافة والتعليم نظراً لهذه الظروف في تراجع شديد، مع توقف أغلب المشاريع الكبرى التي بدأتها الدولة. لهذا فإن نقل ضريح عميد الأدب العربي إلى "رامتان" أو رعاية الثقافة عموماً ورعاية قوة مصر الناعمة ليست ضمن أولويات الحكومة المصرية.
إن وضع الضريح الآن أسفل أحد كباري القاهرة هو عار على كل مثقف وأكاديمي مصري وعربي، وضع مشين لا يليق بأحد أعظم رموز الثقافة العربية.
طه حسين كان أديباً، مفكراً، سياسياً، أكاديمياً، ويمثل في وطننا العربي قيمة ثقافية وفكرية وحضارية لا مثيل لها.
الفكرة بالعمل
ما الذي يمكن أن تتذكره وتذكره للقارئ العربي عن العميد طه حسين، مما لا يعرفه غير قلّة من القراء؟
زار العميدَ قبل وفاته بعامين الدكتور محيي الدين صابر وزير التربية والتعليم السوداني، والدكتور محمد المعتصم مدير إذاعة ركن السودان بالقاهرة، وبعض المذيعين.
وقد نبهت زوجته السيدة سوزان، الدكتور محمد الدسوقي ألا يسمح بتسجيل اللقاء نهائياً، وذلك لأن النسيان بدأ يداهم العميد في هذه الفترة من العمر نتيجة الشيخوخة، بعد أن كان شديد الذاكرة يمتلك حافظة واعية، فخافت زوجته أن يُسَجل له حديث يسيء إليه لاحقاً.
وكانت حالة العميد الصحية تحول بينه وبين استقبال زواره في حجرة المكتب أو الجلوس في الطابق الأول، فقام باستقبالهم في غرفة الجلوس بالطابق الثاني في رامتان.
واعتذر العميد لضيوفه لأن الصعود والهبوط يؤلمه ويرهقه كل الألم والإرهاق، بل أصبح الخدم يحملونه صعوداً وهبوطاً.
ورد الوزير السوداني قائلاً: ليس بيننا غريب عليك، فالكل تلاميذك وأبناؤك وفضلك على الجميع سابق، فقال العميد: هذا أكثر مما أستحق، فيعترض الوزير السوداني قائلاً: وكيف لا تستحق، وقد أخذت على عاتقك مهمة تعليم الأجيال منذ أن قلتها ذات يوم منذ نحو نصف قرن مضى: "لم أتعلم لأنتفع وحدي". فيقول العميد: هذه العبارة صَدَّرت بها ترجمتي لكتاب "نظام الأثينيين" وأذكر أنها كانت بالفعل عام 1921. فيقول الوزير: "لم تكن هذه الكلمات أو غيرها مما تقوله في كتبك أو تقوله في قاعات الدراسة الجامعية إلا ميثاقاً وعهداً تقطعه على نفسك، فأنت من القلائل الذين يأخذون الفكرة بالعمل، كلما أتاحت لهم الدولة أن يعملوا، وأنت أيضاً لم تكن كسواك من أساتذة الجامعة الذين يعيشون في أبراجهم العاجية، ويلقون بآرائهم إلى طلابهم، فتتبخر أفكارهم من عقول تلاميذهم، ولكنك كنت تراعي وتحافظ على تحويل أفكارك إلى واقع عملي في الحاضر والمستقبل، وهذا سر من أسرار عظمة المفكر والعبقري الذي أصبح اسمه قريباً من كل قلب ويردده كل لسان، اسم طه حسين".

مدّ جسور التواصل
ما أهمية الندوات التي تعقد عادة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب؟ وما الذي يميز هذا المعرض أيضاً هل هي إصدارات قصور الثقافة، أو فعاليات أخرى؟
في 12 يوماً حصد معرض القاهرة الدولي للكتاب قرابة 5 ملايين زائر، شارك فيه 1200 ناشر من 70 دولة، على رأسهم بلجيكا ضيف شرف الدورة 55 كذلك شهد المعرض 550 فاعلية ثقافية، تضمنت لقاءات مع مبدعين وكتاب ومفكرين وفنانين.
ورغم كثرة هذه الفعاليات إلا أنني أراها ليست بالقيمة المرجوة، صحيح أن الندوات كانت أكثر انفتاحاً على الآخر، سواء عربياً أو أجنبياً، إلا أن الشخصيات التي حضرت - شديد الاحترام- لم يكن الكثير منهم على المستوى الذي يتناسب مع الحدث، كما أن الوقت المتاح لهم لم يكن كافياً لكي نستفيد بخبراتهم على الوجه الأكمل واللائق. ومع ذلك فإن هذه الندوات لها قيمة كبرى في مد جسور التواصل، والتعريف بثقافات مختلفة، وتجارب عالمية وإقليمية، كذلك على كل جديد في عالم الفكر والأدب والفنون.
لا شك أن إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة كان لها نصيب الأسد في هذه الدورة كما في السابق أيضاً.
إن إصدارات هيئة قصور الثقافة تمثل المنقذ الوحيد والأهم للقارئ المصري، لك أن تتخيل أن سعر أي عنوان - بالغ الأهمية - عدد صفحاته تجاوز الـ300 صفحة، سعره 10 جنيهات فقط، أي 15 سنتاً!

القصة والرواية
كقاص، لماذا برأيك قلّ الاحتفاء بالقصة القصيرة عموماً على حساب الرواية التي أخذت الاهتمام حتى من الشعر، سواء بالجوائز أو بالمؤتمرات، وماذا عنك؟
قلت منذ أيام عن القصة القصيرة: "ربما يعيش أديب في ذاكرة الكتابة بقصة قصيرة واحدة، عالم القصة القصيرة مذهل، مدهش، كاشف، قادر، مؤثر إلى حد بعيد. لا يلجه إلا أديب صالح للبقاء، يصنع خيالاً يرقى إلى الواقع الحق والحر في عقل ووجدان القارئ."
لكن القارئ يرغب دائماً في أن يعيش اندماجاً كاملاً، طويل الأمد مع حكاية بعينها، مع شخوص وأحداث مترابطة، لذلك وعن تجربة، اكتشفت أن القراء من الأصدقاء يفضلون هذا النوع من الأدب.
لكني حين أرغب حقاً في المتعة الحقيقية للكتابة، ألم الكتابة الذي يشبه ألم الوضع، ألجأ إلى القصة القصيرة، التي تعتصر قلبي، عقلي، أفكاري، تجاربي، فيخرج إلى الوجود عصير مركز بالغ الثراء، فيه العذاب لكن مذاقه حلو.