لكل مقام مقال، واليوم نحن في مقام وسائل الاتصال الاجتماعي، لأن أكثر من ثلث البشر الآن على هذا المقام، وبقية البشر تعرفه بشكل أو بآخر، وإن لم تستعمله. وحسب الإحصائيات المعلنة فإن عدد مستخدمي الفيس بوك 1.300 مليار وثلاثمائة مليون مستخدم نشط، في حين أن مستخدمي الواتس أب 450 مليون مستخدم نشط، وأما الانستغرام فيبلغ مستخدموه 150 مليون مستخدم نشط، في حين يبلغ مستخدمي خدمة التراسل المباشر وي شات 396 مليون. وهناك أكثر من 81 مليون طفل ما بين 9-16 سنة استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي.

إن لهذه الوسائل إيجابياتها الكثيرة في مختلف شؤون الحياة لسرعة وصول المعلومات وانتشارها الكبير خلال دقائق معدودة. كما أنها سلبياتها، ولهذا أنشئ فرع في علم النفس يسمى علم نفس الإنترنت، ليدرس الأمراض المرتبطة بفرط استخدام الإنترنت مثل الإدمان وغيره. وما يهمني هنا هو التوقف عند أكثر الفئات تأثراً به، ألا وهم الشباب.

لقد كشفت الدراسات الحديثة أن الفتيات اللاتي يقضين يومياً وقتاً لا بأس به على الفيس بوك يصبن بالاكتئاب بنسبة 80% نتيجة لمشاهدتهن معظم الوقت لصور صديقاتهن. ومن خلال هذا الاستعراض تبدأ كل فتاة بشكل تلقائي بمقارنة نفسها من حيث الشكل واللباس وكيفية قضاء وقت الفراغ والأنشطة الترفيهية بصديقاتها. ونتيجة هذه المقارنة هي غالباً في مصلحة الصديقات في حين ترى الفتاة نفسها أقل من الأخريات جمالاً وأناقة واستمتاعاً بوقتها، ويثير مشاعر الحسد والغيرة، وهي مشاعر سلبية تؤثر في نفسية الفتاة قبل أن تؤثر في غيرها. وكذلك الأمر بالنسبة للشاب حين يرى صور أصدقائه مع هواتفهم الجديدة، أو سياراتهم، أو صورأماكن فاخرة قد لا يستطيع تحمل تكلفة تناول الغداء فيها مثلا. وهذه المقارنات تتجاهل كون كل شخص مختلف ومميز عن غيره، وتهمل إدراك اختلاف الظروف المادية، وربما اختلاف المعتقدات والأفكار أحياناً.

ونتيجة هذه المقارنة غالباً ما تكون سلبية، وتؤثر على صحة الشباب والفتيات، وتؤدي إلى الاكتئاب، ولعله من الملفت للنظر أن منظمة الصحة العالمية التي أصدرت تقريرها عن صحة الشباب، وأشرت فيها أن الاكتئاب هو السبب الرئيس للأمراض في العمر ما بين 10-19 سنة.

وحل هذه المشكلة لا يكون بمقاطعة وسائل الاتصال الاجتماعي، لكن الحل يكمن في تقليل ساعات التعامل مع وسائل الاتصال الاجتماعي، حتى لا تطغى على أوقات الشباب. إضافة إلى توعية الأهل والمدرسة للأطفال والشباب بأهمية إدراك الإنسان لذاته، وقيمته وإمكانياته، وإن المقارنة الحقيقية بين الناس لابد أن تكون في الإنجازات الشخصية التي تعتمد على قدرات الشاب أو الفتاة ليعرضوها أكثر من صور وتسجيلات الفيديوالمتعلقة بالكماليات،التي لم يبذل جهداً في اقتنائها، وإنما اعتمد فيها على ما يوفره له أهله، ومن ثم سيشجع الشباب بعضهم بعضا على الإنجاز. وإن يدرك الشباب أن الاستمتاع بالوقت ليس مرتبطا دائما بصرف الكثير من الأموال ولبس الماركات العالمية، وإنما تنبع السعادة من داخل الإنسان وإحساسه بالنعم التي وهبهها الله للإنسان، وباستمتاعه بالطبيعة وتحقيق ذاته من خلال ممارسة ما يحبه من هوايات وميول.