القوة الناعمة مصطلح ليس قديماً، ويعود فضل التسمية إلى الأمريكي جوزيف ناي، البروفيسور في جامعة هارفرد، الذي ألف كتاباً في سنة 2004 عنوانه "القوة الناعمة "، يقول فيه: "القوة الناعمة هي القدرة على جعل الآخرين يريدون النتائج التي تريدها، أي أن تملك القدرة على جذب الآخرين إلى الأهداف التي تسعى لتحقيقها.
يقول المؤلف: "إن أفضل دعاية لأية دولة في عصر المعلومات هي أن تصل إلى مرحلة المصداقية في أذهان الشعوب الأخرى"، وإحدى أهم الوسائل التي تركز عليها كبرى دول العالم لخدمة مصالحها الوطنية هي القوة الناعمة، كالتعاون الثقافي والإنتاج الفني المشترك والمساعدات الإنسانية وبرامج التبادل الطلابي وغيرها الكثير.
يذكر جوزيف ناي في كتابه "القوة الناعمة لأي بلد تعتمد على ثلاثة عناصر، الأول: ثقافتها لأنها مركز جذب للآخرين، والثاني: قيمها المجتمعية التي ترتقي بها، والعنصر الثالث: سياساتها الخارجية في مصداقيتها مع الآخرين، كما أن البعض يرى أن هناك شرعية للقوة الناعمة كونها سلطة أخلاقية."
القوة الناعمة تخدم المصالح الوطنية للدول، وهو ما يتفق عليه الجميع، بالإضافة إلى ذلك يرى البعض أن هذه القوة هي الأكثر تأثيراً والأطول عمراً، فالمصالح السياسية قد تتغير عندما تتباعد المواقف السياسية للحكومات، وكذلك العلاقات الاقتصادية التي تمليها قوانين العرض والطلب والفرص المتاحة والعوائد المالية لكلا الطرفين.
قادة الدول يدركون مدى تأثير القوة الناعمة على الشعوب، فهي تخلق قاسماً مشتركاً بين المجتمعات، وتعزز التعاون واكتشاف الفرص لخدمة قطاعات مختلفة، وتساهم في تقارب الرؤى السياسية وتزيد وتسرع من نمو التجارة البينية بين الدول.
هناك مثالان في غاية الجمال للقوة الناعمة بين الشعوب، رسالتان للتعبير عن شعور نبيل وهو الامتنان للصداقة بين الدول، المثال الأول كان بمثابة هدية من الشعب الإماراتي إلى الشعب التركي، وكان الزمان خلال زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان في 2022، والمكان في تحفة وطنية معمارية في ابوظبي، هي قصر الوطن.
في تلك الأمسية وخلال العشاء الرسمي عزف وغنى الفنان حسين الجسمي منفرداً على البيانو الأبيض باللغة التركية أحد أشهر الأغاني وأغنية الرئيس أردوغان المفضلة، واسمها "كل شيء يذكرني بك"، ومن جمال المفاجأة وروعة الاداء، وقف الرئيس التركي ليعبر عن إعجابه وانتشرت الأغنية بعدها في تركيا والعالم العربي وخاطبت الملايين.
أما المثال الثاني للقوة الناعمة فحدث قبل أسابيع قليلة خلال زيارة صاحب السمو
رئيس الدولة حفظه الله إلى
كوريا الجنوبية، عندما غنى الأطفال الكوريون وهم على بعد خطوات من سموه "مرحبا أهلا حي بالشهامة"، تلك الابتسامة التي شاهدناها على محيا قائدنا هي ذاتها التي ارتسمت على وجوه كل الإماراتيين، كان ذلك مثال آخر على مخاطبة الشعوب.
فرق العمل التي تقوم بالتخطيط وتنفيذ مثل هذه الأحداث تهتم بكافة التفاصيل حتى يظهر الحدث بصورة رائعة ويبقى راسخاً في ذاكرة الشعوب.
عندما نصل إلى قلوب الشعوب الأخرى سيحاولون معرفة المزيد عنا، وسيأتون للسياحة في بلادنا ونذهب إليهم، سيتعرفون على تجربتنا وثقافتنا واقتصادنا وقوانينا، وسيشاهدون بأعينهم كيف يتعامل أصحاب الأرض مع الملايين من أطياف البشر، ويلمسون كيف يتشارك مواطنو الدولة ومن يعيشون معهم حب الوطن ذاته. وإذا سألونا ما سر هذا التعايش؟ سنجيبهم بأن السر يكمن في وضوح موقفنا، فنحن نسعى دوماً للخير المتبادل مع شعوب العالم، وعلى ذلك ترتكز مصداقيتنا.