منذ سنوات طويلة أجريت حواراً مع السيدة جيهان السادات، رحمها الله، وحين سألتها عن رأيها فيما أقدم عليه الرئيس السادات رحمه الله باعتقالات 3 و5 سبتمبر(أيلول) 1981، كان ردها واضحاً وصريحاً: لقد أخطأ فى اتخاذ هذا القرار، وأنها كانت ضد ما حدث، لكنها بررت قراره بأنه كان على وشك الانتهاء من استكمال باقى اتفاق السلام مع إسرائيل.

وكانت قوى كثيرة داخل مصر وخارجها تعارضه وتهاجمه هجوماً شديداً، وكان يخشى أن تتلكأ إسرائيل أو تتخذ من أصوات المعارضة حجة لتسويف تسليم ما تبقى من سيناء، واتخاذ ما يحدث فى مصر ذريعة لانتهاك الاتفاقية التى ضحى بالكثير من أجل الوصول إلى اتفاق ملزم مع إسرائيل بضمانات أمريكية، وكان ينوي أن يفرج عنهم جميعاً فور تسلم بقية سيناء.
حتى يومنا هذا لا تزال اعتقالات 3 و5 سبتمبر، والتى تمر ذكراها الأليمة هذه الأيام والتى ربما لا يعرفها شبابنا، ولا يعرف الطريق الصعب طريق السلام الذى سار فيه الرئيس السادات حتى يحصل على ما تبقى من أرض مصر التى احتلت فى يونيو(حزيران) 1967، وكيف لجأ إلى هذا الطريق بعد ما حققه من انتصار فى حرب أكتوبر(تشرين الأول) 1973.
ثم وجد معظم الدول العربية التى نقلتها حرب أكتوبر نقلة اقتصادية كبيرة تتخلى عن مصر، بعد أن أكلت حروبها مع إسرائيل الأخضر واليابس، وبدلاً من مساندتها لاستعادة قوتها ومكانتها وتعويضها عما قدمته خلال أربع حروب كبرى، راح البعض يكيل الاتهامات بعد أن وافقت مصر على فض الاشتباك الأول والثانى.
على مدى أربع سنوات فى أعقاب حرب أكتوبر، ومصر تحاول الخروج من النفق المظلم، والاتجاه نحو التنمية واستعادة الجبهة الداخلية لاستقرارها وتنميتها وقوتها، تخللتها إعادة افتتاح قناة السويس فى يونيو(حزيران) 1975، والتوجه نحو سياسة الانفتاح الاقتصادى، لكن ظلت مصر وحدها تعاني من تبعات الحرب، حتى انطلقت مظاهرات 18 و19 من عام 1977، التى كادت تثير الفوضى في البلاد وتؤثر على استقرارها.
إذن توقفت نتائج حرب أكتوبر عند اتفاقيتي فض الاشتباك الأول والثانى، ولم تعد بقية سيناء ولا الجولان السورية، وظلت القضية الفلسطينية على حالها، فلم يجد الرئيس السادات مفراً يحرك تلك المياه الراكدة سوى إطلاق مبادرة للسلام في مجلس الشعب المصري يوم التاسع من نوفمبر(تشرين الثاني) 1977، أبدى فيها استعداده لزيارة إسرائيل والكنيست من أجل حل القضية، ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى تلقى دعوة من رئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجن لزيارة إسرائيل، وهو ما حدث بالفعل في التاسع عشر من نوفمبر 1977.
كانت تلك هي الخطوة الأولى في طريق السلام بعد ثلاث سنوات صعبة على مصر، استطاع بعدها الرئيس السادات وفريق المفاوضين المصريين، وبدعم من الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الوصول إلى اتفاق سلام، كان في ذلك الوقت أفضل السيئ، لكنه في يومنا هذا يعد إنجازاً كبيراً، خاصة بعد ما وصلت إليه الأمة العربية من وضع مزرٍ يكشف ضعفها وهوانها وتشتتها، فى مقابل إجرام إسرائيلي غير مسبوق.
خلال تلك السنوات القليلة كان الرئيس السادات يواجه حرباً خارجية من الدول العربية التى خوّنته وكوّنت ما سمي بجبهة الرفض ومقاطعة مصر، ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس، ومن الداخل ممن كانوا ضد الخطوات التي اتخذها السادات للتطبيع مع إسرائيل، وكان الهجوم شديداً، من اليمين واليسار، من الكنيسة والسلفيين والإخوان، من الأحزاب التي فتح هو لها الباب لتمارس السياسة من جديد، من صحافيين وكتاب ومفكرين وسياسيين وأكاديميين وعمال وتكنوقراط.
واستيقظت مصر في الثالث والخامس من سبتمبر على حملة اعتقالات واسعة شملت أكثر من ألف وخمسمئة شخصية مصرية. كان هذا هو خطأ السادات الكبير، والذي نسج مع خطئه الثاني بإطلاق يد الإخوان والجماعات المتطرفة في المجتمع المصرى معاً سيناريو اغتياله فى يوم نصره وسط جنوده يوم السادس من أكتوبر 1981، ليدفع ثمن هذين الخطأين، وتحمّل هو وحده النتيجة التي دفع ثمنها حياته.