في السودان، الذي يعاني من المجاعة، أغلقت مطابخ الحساء التي كانت تقدم الطعام لمئات الآلاف من المدنيين المحاصرين وسط الحرب. وفي تايلاند، طُرد اللاجئون الفارّون من الحروب، والمصابون بأمراض تهدد حياتهم، من المستشفيات ونُقلوا على نقالات بدائية. وفي أوكرانيا، قد يضطر سكان المناطق الأمامية في الحرب مع روسيا إلى مواجهة الشتاء القارس دون حطب للتدفئة.
بدأت بعض أكثر الفئات ضعفاً في العالم تشعر بالفعل بآثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ بتجميد مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية التي تُستخدم لمكافحة الجوع، وعلاج الأمراض، وتوفير المأوى للنازحين. وفي غضون أيام قليلة، أدى هذا القرار إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وأثار تساؤلات جوهرية حول مصداقية أمريكا ومكانتها على الساحة الدولية، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز".
صدمة التجميد
يقول عاطف مختار، من مجموعة "غرف الاستجابة الطارئة"، وهي منظمة تطوعية محلية في العاصمة السودانية الخرطوم، واصفاً الأوضاع بعد قرار التجميد: "الجميع يشعر بالذعر".
إلا أن إدارة ترامب عادت وغيرت موقفها بشكل مفاجئ، حيث أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أن "المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة" قد تستمر مؤقتاً، موضحاً أن هذا القرار يشمل فقط المساعدات الأساسية مثل الغذاء والدواء والمأوى، لكنه شدد على أن هذا الإعفاء "مؤقت بطبيعته"، مما يعني أن المساعدات الأوسع ستظل مجمدة.
لكن حتى مع هذا التعديل، فقد تم بالفعل فصل مئات المسؤولين والعاملين في توزيع المساعدات الأمريكية أو منحهم إجازات غير مدفوعة، مما أدى إلى شلل واسع في الجهود الإغاثية حول العالم.
أزمة الغذاء في السودان
في الخرطوم، حيث تدور معارك عنيفة، أُغلقت معظم مطابخ الحساء التي كانت تعتمد على التمويل الأمريكي. حتى الأسبوع الماضي، كانت الولايات المتحدة هي الممول الرئيسي لهذه المطابخ، التي كانت تقدم الطعام لنحو 816 ألف شخص.
ويقول حجووج كوكا، المتحدث باسم "غرف الاستجابة الطارئة"، إن هذه الوجبة التي تقدمها المطابخ هي "الوجبة الوحيدة التي يحصل عليها معظم الناس".
وبعد تجميد الأموال، علّقت بعض المنظمات تمويلها بالكامل، بينما توقفت أخرى عن تحويل الأموال بسبب عدم وضوح الموقف القانوني. ونتيجة لذلك، أُغلق 434 من أصل 634 مطبخاً تطوعياً في الخرطوم، مع تزايد العدد يومياً.
مواجهة الموت
الآثار الكارثية لقرار ترامب لا تقتصر على السودان فقط، بل تمتد إلى مناطق أخرى، مثل تايلاند، حيث تم طرد اللاجئين المصابين بأمراض خطيرة من المستشفيات التي كانت تعتمد على التمويل الأمريكي.
ويقول ساو ناه فا، وهو مريض بالسلّ يعيش في مخيم ماي لا للاجئين على الحدود بين تايلاند وميانمار، إنه طُلب منه مغادرة المستشفى فجأة، بعدما أعطوه إمدادات دوائية تكفي لأسبوع واحد فقط، مؤكداً أنه لا يعرف كيف سيتمكن من الحصول على العلاج بعد نفادها.
وفي كمبوديا، التي كانت على وشك القضاء على مرض الملاريا بفضل المساعدات الأمريكية، يخشى المسؤولون الآن من أن يؤدي وقف التمويل إلى عودة المرض وانتشاره من جديد. كما تم تعليق برنامج بقيمة 72 مليون دولار في نيبال كان يهدف إلى تقليل معدلات سوء التغذية.
أما في جنوب إفريقيا وهايتي، فيحذر مسؤولو الصحة من أن مئات الآلاف قد يموتون إذا انسحبت الولايات المتحدة من تمويل برنامج مكافحة فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، الذي كان أحد أبرز المبادرات الأمريكية الصحية.
التدخلات السياسية
لم يشمل التجميد المساعدات الصحية والغذائية فحسب، بل امتد ليشمل مشاريع أخرى، حيث قامت إدارة ترامب بحظر أي تمويل يتعلق بالإجهاض، أو قضايا النوع الاجتماعي، أو التنوع، حتى لو كانت تلك البرامج ضمن الجهود الإنسانية العامة.
وكنتيجة لذلك، أعلن "صندوق الأمم المتحدة للسكان" أن خدمات الصحة النفسية ورعاية الأمومة لملايين النساء في أفغانستان، وباكستان، وغزة، وأوكرانيا قد توقفت تماماً. وفي أفغانستان، حيث منعت حركة طالبان النساء من العمل، فقدت 1,700 امرأة وظائفهن بعد وقف تمويل المنظمة.
تداعيات سياسية وأمنية عالمية
كما لم يؤثر تجميد المساعدات على المحتاجين فقط، بل أضر أيضاً بمصالح الولايات المتحدة الجيوسياسية، حيث أوقفت واشنطن تمويل برامج كانت تساعد في جمع معلومات استخباراتية حساسة عن تنظيم القاعدة في ساحل العاج، وفقاً للصحيفة.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، جُمدت بعض الأموال المخصصة لوكالات الأمم المتحدة التي تدعم أكثر من 4.5 مليون نازح فروا من الحرب. حتى بعد إعلان وزير الخارجية روبيو عن السماح ببعض المساعدات، استمر الارتباك في العديد من مناطق الصراع في إفريقيا، حيث يعتمد الناس على هذه المساعدات بشكل يومي.
ويقول جيريمي كونينديك، المسؤول السابق في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، معلقاً على قرارات إدارة ترامب: "عندما يصدرون مثل هذه الأوامر الواسعة، لا يبدو أنهم يدركون التأثير الحقيقي لما يقومون بإيقافه. إنهم يسحبون الأذرع دون معرفة ما يرتبط بها".
الديمقراطية وحقوق الإنسان
أحد أكثر التداعيات خطورة كان التراجع في دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث كانت المساعدات الأمريكية تموّل منظمات توثق الانتهاكات في إيران، بما في ذلك الاعتقالات والإعدامات وانتهاكات حقوق المرأة.
الآن، مع توقف التمويل، يحذر النشطاء من أن الحكومة الإيرانية ستجد نفسها بدون أي جهة دولية تحاسبها. كما تم إغلاق بعض وسائل الإعلام التي كانت تعتمد على الدعم الأمريكي، مما أدى إلى فقدان الصحافيين وظائفهم.
يعتقد العديد من الخبراء أن هذا التراجع الأمريكي سيترك فراغاً ستملؤه الصين، حيث تسعى بكين لتعزيز نفوذها في إفريقيا، والشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية عبر تقديم استثمارات ضخمة ومساعدات إنسانية بديلة.
ويقول جينغدونغ يوان، مدير برنامج الأمن الصيني الآسيوي في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام: "هذا القرار سيمنح الصين فرصة ذهبية لكسب قلوب وعقول الدول النامية".