يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعجل دائماً عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الأزمات العالمية. فحتى قبل تنصيبه، تباهى بأنه وراء ما وصفه بـ "وقف إطلاق النار الملحمي" في غزة. كما سارع لدفع أوكرانيا وروسيا نحو تهدئة فورية للقتال، ويسعى لإبرام اتفاق مع إيران خلال شهرين فقط لمنعها من تطوير سلاح نووي.

تعكس هذه التحركات نهجه المعروف بـ"إغراق الساحة"، الذي استخدمه داخلياً لتفكيك البيروقراطية وتعزيز سلطته التنفيذية ومهاجمة خصومه السياسيين، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

سياسة سريعة الإيقاع

أما على الساحة الدولية، فهو يعتمد على سياسة خارجية سريعة الإيقاع تهدف إلى إنهاء النزاعات بأسرع ما يمكن. لكن هذه السرعة تصطدم الآن بتعقيدات السياسة الدولية، ما يثير تساؤلات حول استدامة إنجازاته حتى الآن.

فقد انهار وقف إطلاق النار بين غزة وإسرائيل، ورفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اقتراحه بوقف إطلاق نار فوري لمدة 30 يوماً، كما أن الاتفاق النووي مع إيران لا يزال بعيد المنال رغم ضغوطه للتوصل إلى صفقة سريعة.

يقول آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق في قضايا الشرق الأوسط والباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن "ترامب دائماً في عجلة من أمره، يبحث عن حلول فورية وصفقات مؤقتة". وأضاف أن الأزمات الكبرى مثل أوكرانيا وغزة وإيران لا تُحل في دورة رئاسية واحدة، بل تمتد عبر أجيال. ويرى ميلر أن "استعجال ترامب قد يؤدي إلى سوء تقدير للمشاكل".

كان ترامب يفاخر بجهوده في إحلال السلام بغزة حتى استئناف الهجمات الإسرائيلية هذا الأسبوع، كما لمح إلى أنه يستحق جائزة نوبل للسلام، قائلاً: "لن يمنحوها لي أبداً".

سياسة الاندفاع الكامل

من جانبهم، يرفض أنصار ترامب هذه الانتقادات، ويعتبرون أن أسلوبه يهدف إلى كسر ما يسمونه "النظام العالمي القائم على القواعد"، الذي سيطر على السياسة الخارجية لعقود.

وإلى جانب قضايا إيران وإسرائيل وأوكرانيا، يشيرون إلى تهديداته باستخدام القوة للسيطرة على غرينلاند وقناة بنما كأمثلة على استراتيجيته التي لا تعرف التباطؤ.

يصف ستيف بانون، المستشار السابق لترامب، هذه السياسة بأنها "اندفاع كامل بلا توقف"، مضيفاً أن ترامب يرسل مستشارين وصفهم بـ"القوات الصاعقة" للتعامل مع الأزمات العالمية بنفس النهج الذي يستخدمه لإصلاح الحكومة الفيدرالية. ويقول بانون: "ما يفعله على المستوى الجيوسياسي والاقتصادي يتجاوز بكثير ما يفعله محلياً".

يتمحور نهج ترامب، بحسب الصحيفة، حول توليد الزخم، وهو ما انعكس في تعامله مع أبرز نزاعين عالميين في الوقت الحالي: الصراع بين إسرائيل وحماس في غزة، والحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات بين روسيا وأوكرانيا.

عقبات كبيرة

لطالما ألقى ترامب باللوم على سلفه جو بايدن في تفاقم هذه الأزمات، متهماً إياه بالفشل في منع اندلاعها أو حلها بسرعة. وفي خطابه الأخير أمام الكونغرس، قال: "هناك الكثير يحدث في الشرق الأوسط". وبشأن أوكرانيا، أعرب عن نفاد صبره قائلاً: "حان الوقت لإنهاء هذه الفوضى. يجب وقف القتل. هذا الصراع لا معنى له".

يرى كليفورد ماي، مؤسس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن ترامب يسعى للتخلص من الأزمات العالمية حتى يتمكن من التركيز على قضايا أخرى مثل الهجرة وما يسميه "الحرب ضد اليسار الثقافي". لكنه يعتقد أن سعي ترامب لحل سريع للصراع في أوكرانيا اصطدم بـ "عقبة كبيرة" تتمثل في بوتين، الذي رفض التسرع في قبول أي وقف لإطلاق النار، مكتفياً بالموافقة على التوقف عن استهداف البنية التحتية للطاقة.

يقول ماي إن بوتين يستغل رغبة ترامب في حل سريع لتحقيق مكاسب تكتيكية، مما يضع ترامب في موقف صعب: "في بعض الأحيان، يمكن أن يكون نهج ترامب التخريبي مفيداً، لكنه قد يفشل أيضاً مع قادة مثل بوتين، الذين يتمتعون بالدهاء والصبر، ويعرفون كيف يلعبون اللعبة".

وفيما يتعلق بإسرائيل، فقد استخدم ترامب منصته الإعلامية للضغط من أجل هدنة قبل أيام فقط من توليه منصبه. ورغم تجدد القتال، يصر على أن جهوده الدبلوماسية تستحق التقدير.

قرارات غير مدروسة

أما فيما يخص إيران، فلا يبدو أن هناك تقدماً في التوصل إلى اتفاق نووي، رغم إصرار ترامب على تحقيق ذلك بسرعة. فحتى الآن، لا يوجد مؤشر على قرب إبرام صفقة شبيهة بالاتفاق الذي انسحب منه في ولايته الأولى.

يعتقد خبراء السياسة الخارجية أن السرعة قد تكون مفيدة أحياناً في الدبلوماسية، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى قرارات غير مدروسة.

يقول لورانس فريدمان، أستاذ الدراسات الحربية في كلية كينغز بلندن، إن مشكلة ترامب تكمن في أنه "يعتقد أن التهديد والضغط كافيان لجعل الآخرين يرضخون، لكنه لا يأخذ في الاعتبار تعقيدات المشاكل التي يحاول حلها".

ويضيف ميلر أن ترامب يهتم أكثر بالمكاسب السياسية السريعة من أي حلول طويلة الأمد، قائلاً: "لدينا شخصية شديدة الاندفاع، حيث تهمه السرعة أكثر من جودة السياسات التي ينفذها".