اعتبره الكثيرون الرئيس القادم لتركيا، لكنّ الرجل الذي يُعدّ بلا شك الشخصية السياسية الأكثر شعبية في بلاده، بدأت تُكال له سلسلة من الاتهامات مُنذ أعوام، كل واحدة منها أكثر عبثية من الأخرى، بحسب محللين سياسيين فرنسيين في تعليقهم على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو قبل أيام.

ويعتقد ساميم أكغونول، الأستاذ بجامعة ستراسبورغ الفرنسية، أن الرجل المحتجز حالياً في سجن مرمرة قادم من مجتمع مدني مُوحّد ومعتدل، ويجسّد الأمل في التغيير السياسي. ويشير مشهد عشرات الآلاف من الأشخاص خارج مبنى بلدية إسطنبول، وهم يعبّرون عن دعمهم لزعيم المعارضة المعتقل، إلى حركة احتجاجية نادرة الحجم في تركيا، وغير مسبوقة منذ عام 2013.

وأما دوروثي شميد، رئيسة برنامج تركيا والشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس، فترى في ذلك مؤشراً على تزايد الهجمات ضدّ المعارضة من قبل رئيس تعززت مكانته على الساحة الدولية، مدعوماً بدور بلاده المتنامي في الأمن الإقليمي.

وتعتبر الباحثة الفرنسية أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خرج أقوى بعد الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة، سواء الحرب في أوكرانيا أو الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا.

حاجة الغرب لتركيا أردوغان

وتقول شميد إن أردوغان يشعر بأنه لا غنى عنه بالنسبة للغرب، لأن تركيا تقع عند مفترق طرق كل الدراما الجيوسياسية الحالية، فضلاً عن التساهل الدولي وسياسة الإفلات من العقاب التي يشهدها العالم اليوم في ظلّ زعامة دونالد ترامب للولايات المتحدة.

وهو يريد إعادة تنظيم علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، وخاصة في مجال الأمن. ويشعر أردوغان بالقوة لأن أنقرة تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، مع صناعة دفاعية متنامية. ونظراً لموقعها الجغرافي، مقابل روسيا على البحر الأسود، فإن الأتراك قد يشكّلون شريكاً مهماً من حيث الأمن للأوروبيين، لذا لم يعد بإمكانهم قول أي شيء عن انتهاكات سيادة القانون التي قد ترتكب في الداخل.

وتتجه تركيا نحو نظام سياسي سلطوي، نتيجة تآكل القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم الذي حافظ على سلطته لفترة طويلة من خلال الانتخابات. وتمثّلت التحذيرات في الانتخابات التشريعية والرئاسية عام 2023، حيث تراجعت نتائج الحزب الحاكم، ومن ثمّ في الانتخابات البلدية في عام 2024، حيث انضمت المدن الثلاث الكبرى، إسطنبول وأنقرة وأزمير، التي سيطرت عليها المعارضة من قبل إلى مدن أخرى كثيرة خسرها حزب العدالة.

إمام أوغلو ومصير دميرتاش!

وأما حزبا المعارضة الحقيقيان اليوم في تركيا، فهما حزب الشعب الجمهوري، وريث أتاتورك وأكبر أحزاب المعارضة، والذي يُعدّ إمام أوغلو شخصيته الرمزية، وكان من المتوقع أن يكون مرشحاً رئاسياً قوياً. وأيضاً حزب الشعوب الديمقراطي، المؤيد للأكراد، والذي يشارك الآن في عملية المصالحة مع حزب العمال الكردستاني، والذي خضع بالفعل لضغوط كبيرة وصلت لدرجة المطالبة بحظره.

وتذكّر حالة إمام أوغلو، بشخصية سياسية موهوبة أخرى أخافت الحزب الحاكم، حيث تمّ إرسال صلاح الدين دميرتاش، الزعيم السابق لحزب الشعوب الديموقراطي، إلى السجن في عام 2016 بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، والذي ما زال مسجوناً بعد فشل كل المحاولات القضائية للإفراج عنه. وهو مرشّح رئاسي سابق في عام 2018، لذا، ليس هناك ما يدعو للتفاؤل بشأن إمام أوغلو ونجاته من السجن إذا لم يكن هناك ردّ فعل شعبي قوي للغاية في تركيا.

وترجع صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، هذه التهديدات القضائية لإمام أوغلو، إلى قوة التهديد الذي يشكّله على نظام الحكم الحالي. ففي حين أن شعبية الرئيس تتضاءل بلا هوادة في سياق الأزمة التضخمية، فإن رئيس بلدية إسطنبول هو بلا شك الشخصية المعارضة الأكثر ترجيحاً للحلول مكانه.

يذكر أن عمدة إسطنبول فاز في الانتخابات جزئياً بفضل مواقف انتخابية شاملة تتناقض مع خط حزبه، وريث مصطفى كمال أتاتورك. إذ يتبنّى أكرم إمام أوغلو خطاب الاسترضاء تجاه الطبقات العاملة المتدينة، وكذلك تجاه الأكراد والأقلية العلوية، مع الحفاظ على دعم القاعدة الكمالية لحزبه. وبهذه الطريقة، يتمكّن من تجاوز الانقسامات التقليدية في المجتمع التركي، ويجذب عدداً من ناخبي حزب العدالة والتنمية غير الراضين عن الأزمة الاقتصادية.

هل يعزّز أردوغان من شعبية منافسه؟

ومن المفارقات أن رجب طيّب أردوغان، قد يتمكن من تعزيز موقف إمام أوغلو أكثر من خلال دوره في اعتقاله، وذلك على غرار سجن أردوغان نفسه عندما كان رئيساً لبلدية إسطنبول في عام 1998، على يد الحرس الكمالي القديم، وهو ما زاد من شعبيته أضعافاً، وأدّى إلى صعوده السياسي.

من جهتها، قالت الكاتبة والمحللة السياسية في يومية "لو فيغارو" الفرنسية، آن أندلاور، إن أردوغان قد اختار السيناريو الأسوأ، فقد تمّ سجن منافسه الأول الذي وعد بهزيمة الرئيس التركي في الانتخابات المقبلة. وأحدث سجن شخصية شعبية مثل أكرم إمام أوغلو موجة من الصدمة والغضب والانفعال في صفوف المعارضة، يتجاوز بكثير مصيره إلى مصير الديمقراطية في البلاد.

وهذا، بطبيعة الحال، ليس الخطاب الذي تتبناه وسائل الإعلام الموالية لرئيس الدولة، والتي تمثّل نحو 90% من المشهد الإعلامي التركي. إذ على مدى أشهر تمّ تصوير حزب المعارضة الرئيسي على أنه مستنقع للفساد، ورئيس بلدية إسطنبول على أنه انتهازي يستغل منصبه لإثراء نفسه دون عقاب.

وبحسب أندلاور، فإن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تركيا. وقد تفقد الاحتجاجات قوتها تدريجياً، وقد تصبح بالعكس أكثر شراسة إذا اختارت الحكومة قمع المتظاهرين في الشوارع دون قيود، أو إذا تمكّن حزب الشعب الجمهوري من تصعيد التعبئة في صفوفه.