"ألتراس" لم تعد مجرد رابطة لفريق كرة قدم، بل اتخذت الكلمة في مصر مدلولات أخرى، بعد عامين على ثورة يناير، باتت ثقافة لرفض القمع وتنظيماً يهدد أسس السلطة الإخوانية بسريتها وولائها و صرامة تنظيمها.
خبرة المواجهات لم تكن كل حصيلة "ألتراس" الثورية، بل غضب قديم من معاملة الأمن لجماهير الكرة، والنظر إليهم باعتبارهم مجرد مشاغبين يجب ترويضهم بالعصا
...بعد أشهر، كان شباب الكرة الغاضب يقود الثائرين في التحرير، بما يملك من خبرة سابقة في المواجهات مع الأمن
"ألتراس". رابطة للغضب السياسي قطعت رحلة طويلة من اللعب إلى الثورة، بدأت عام 2007 في المدرجات وانتقلت إلى الميادين، توقفت خلالها أمام محطات متنوعة من الدم، تحررت من الخوف، وتجر اليوم تياراً عريضاً إلى حيث اكتمال الحرية.
قصة اللعب والحرية
قصة تحول اللعب إلى حرية قديمة تعود إلى الإمبراطورية الرومانية، إلى عام 532 بثورة "نيقا"، انطلقت مثل الثورة المصرية في يناير، وقادها جمهور سباق العربات والخيول، خرج على إثرها الإمبراطور جستنيان متكئاً على ضعفه ويعد بالإصلاحات يوم 28 من الشهر نفسه، ثم اتخذ قرار الفرار، لكن زوجته ثيودورا رفضت وصمدت، وقالت إن قميص الإمبراطورية يستحق التضحية، وعاد الرجل وانتصر على الثوار بأسلحة سياسية "السيف والذهب"، فقتل 30 ألف شخص واستمال فريقاً في صفه ثم انتصر.
في مصر بدأت روابط الكرة عام 2007 وبمرور الوقت اتسعت مجموعات "الألتراس" لتشمل أندية كثيرة توحدت حول أدبيات ومبادئ منها عدم التوقف عن التشجيع وعدم الجلوس نهائياً أثناء المباريات، وكراهية الكرة الحديثة كصناعة واستغلال والتصدي للقمع مع عدم المبادرة بالعنف فهم: "خط الدفاع الأخير عن النادي" التمويل ذاتي، ولا توجد قيادة رأسية بل مجموعة صغيرة ( تشرف على التمويل وتنظم الدخلات ورسم اللوحات).
لكن درس التاريخ لم تتعلّمه السلطة في مصر رغم هدايا الزمن، ففي أثناء التراشق المصري الجزائري بعد مباراة أم درمان الشهيرة 2009، تحول اللعب إلى ما يشبه الحرب، استفاد منها النظام بالنفخ في لهب "شوفينية"، ونجح وتحول الغضب، مؤقتاً، بعيداً عن سيناريوهات الفشل السياسي والاقتصادي.
بعد أشهر، كان شباب الكرة الغاضب يقود الثائرين في التحرير، بما يملك من خبرة سابقة في المواجهات مع الأمن، وما يحمله من ثقافة تعتبر موحدة ترفض استغلال الكرة لتحقيق الربح، وما يترتب عليها من شبكة مصالح اقتصادية في الفضائيات.
يقول إياد صالح لـ 24، وهو مخرج أفلام وثائقية، قضى 18 يوماً في التحرير بكاميرا تسجل المواجهات، إن "الألتراس" لديهم خبرة في المواجهات، دخلوا الميدان على شكل هرمي، فتفكك الصف العرضي الشرطة بسهولة، وفي موقعة الجمل لعبوا دوراً كبيراً في التصدي للمقتحمين، قسموا أنفسهم لمجموعات تنقل المؤن(الحجارة) وتؤمن مداخل الميدان وأخرى في المقدمة بدروع صنعوها من حواجز الطريق المعدنية، فيما ركزت مجموعة أخرى على الحرب النفسية بالطَرْق على حديد الميدان، وتبادلت المجموعات الأدوار.
خبرة المواجهات لم تكن كل حصيلة "الألتراس" الثورية، بل غضب قديم من معاملة الأمن لجماهير الكرة، والنظر إليهم باعتبارهم مجرد مشاغبين يجب ترويضهم بالعصا.
ترجم هذا الغضب في أناشيد "الألتراس" الحانقة على الشرطة.
"كان دايماً فاشل في الثانوية.. كان دايماً فاشل. في الثانوية.. يا دوب جاب. خمسين في المية. بالرشوة خلاص الباشا اتعلم وخد شهادة بـ100 كلية. يا غراب ومعشش. جوا بيتنا.. بتدمر ليه. متعة حياتنا".
هذه هي هجائية "الألتراس" تجاه السلطة ممثلة في الشرطة وقمعها لمشجعي الكرة، استمرت حدود الاحتجاج السياسي منخفضة لا تطال إلا الأمن، لكن مستوى الغضب ارتفع مع اندماج أعضاء روابط "الألتراس" في الهم الثوري، ثم سقوط شهداء لهم في احتجاجات الفترة الانتقالية، فاستشهد شهاب أحمد من "وايت نايتس" "أولتراس الزمالك" أثناء مواجهات شارع محمد محمود، و استشهد محمد مصطفى من "ألتراس أهلاوي" في أحداث مجلس الوزراء.
بعدها تحول الحكام الجدد من العسكر إلى مادة يومية في هتافات المدرجات.."يسقط.. يسقط حكم العسكر".
كانت مذبحة بورسعيد، الأول من فبراير(شباط) 2012 التي راح ضحيتها 74 من "ألتراس أهلاوي" محطة فارقة، تأخرت السلطة في نقل الضحايا أو إنقاذهم لساعات، وخرج المشير محمد طنطاوي يحمل "الألتراس" المسؤولية مصرحاً بعبارته الشهيرة: "مش عارف الشعب ساكت عليهم ليه".
تغيّرت دنيا "الألتراس" بعد المذبحة. تحولت الهتافات إلى "أخويا مَات شَهِيد . مِن الغدر في بورسعيد .. ويوم ما أفرَّط في حَقُّه ..هَكُون مَيّت أكيد".
أصبحت أكثر مرارة.." واللافتات إلى " مرة واحد راح يتفرج على ماتش مات"!
اتسعت دائرة مرارة "الألتراس" لتشمل "الأمن. الذي اتهم بالتواطؤ في حمايتهم، إلى جانب العسكر والإخوان الذين سيطروا على البرلمان، وشكلوا لجنة تقصي حقائق لم تصل إلى شيء، ومن وصفوا "الألتراس" بالمخربين وقت مواجهات شارع محمد محمود.
أما أبرز ما فعلته مذبحة بورسعيد، فهي اتحاد الروابط التي كانت متنافرة بين الأندية على الثقافة المشتركة، الولاء للنادي، كراهية الاستغلال الاقتصادي للكرة، العداء للقمع، السرية والبعد عن الأضواء، التحرك الجماعي، عدم المبادرة بالعنف.
تصدى "الألتراس" لبارونات الإعلام الرياضي ممن يريدون عودة النشاط الكروي، فلاحقوا المذيع أحمد شوبير ومنعوه من الظهور على الشاشة، ثم اتهمه أحد مؤسسي "ألتراس الزمالك "محمد جمال بشير، بأنه محرض على إراقة دماء الأولتراس، ومنع أفراد من الرابطة المذيع خالد الغندور، وتصدوا لإقامة مباراة السوبر المصري بين الأهلي و"إنبي"، حتى يعود حق الشهداء.
وقبلها اعتصموا أمام مجلس الوزراء المصري مرددين:" آه يا مجلس يا ابن الحرام..بعت دَم الشهيد بكام".
غضب "الألتراس" لم يكن بغتة، لكن المفاجأة كانت في السرية والتوحد والمبادرة والرسائل غير التقليدية. يقول الباحث المتخصص في الأزمات، حسن القشاوي، لـ 24: "قابلت مجموعات غاضبة من "ألتراس أهلاوي" على كوبري (جسر) قصر النيل، سألتهم من باب الفضول إلى أين تتجهون؟ كانت الإجابة: "نحن في طريقنا للعزاء بوفاة الكابتن الجوهري. صدقت ثم فوجئت بعدها، بساعة، بأخبار اقتحام اتحاد الكرة المصري اعتراضاً على محاولة عودة الدوري دون القصاص للشهداء".
"ألتراس" بأسلحة إخوانية
في العهد الإخواني نضجت الظاهرة سياسياً بمزيد من الغضب، يدرك الإخوان خطورة "الألتراس" لأن الروابط تملك نفس أسلحة الجماعة الناجحة، الولاء والسرية والانتشار والنظام الصارم.
زاد "الألتراس" على الجماعة "المبادرة بالمواجهة" والأفكار الخلاقة المتحررة من جمود الشيوخ، أدرك رجل الإخوان القوي، خيرت الشاطر، الأمر فانحنى للريح وقت أزمة مباراة السوبر وانتقد إقامتها رغم "عدم القصاص للشهداء".
تزامنت ذكرى ثورة يناير الثانية مع الجلسة الحاسمة لقضية مذبحة بورسعيد، ومع استشعار "الألتراس" بوادر مماطلة من السلطة، بتقديم النائب العام المصري مذكرة يقول فيها إن هناك أدلة جديدة ومتهمين جدداً، ارتفعت براثن الغضب وظهرت مهارات "الأولتراس" في المفاجأة والتفكير الخلاق والرد على الانتقادات المتوقعة. أوقفوا المترو و طريق كوبري (جسر) 6 أكتوبر، حاصروا البورصة ثم الإذاعة، وفي بقية المحافظات تزامنت هذه التحركات مع وقفات متشابهة لـ"الألتراس" على قضبان السكك الحديدية. أوصلوا الرسالة بدقة شديدة ومهارة.
و في ردودهم على تعطيل مصالح الناس بالتظاهر كانت الردود جاهزة على صفحاتهم: "نعتذر عن قطع الطريق والمترو و تعطيل الناس عن الرجوع مبكراً من أشغالها.. فهناك أم شهيد تريد العودة منذ عام لمنزلها ولم تصل بعد" فيما عاجلت الهتافات المدافعين عن هيبة الدولة المنكسرة: "هيبة الدولة...دم المصري هو الدولة ..دم المصري هو الأولى".
توالت تعليقات المتعاطفين على صفحات التواصل الاجتماعي: "إلى المعترضين على حصار البورصة .. اعتبرها المحكمة الدستورية يا أخي!".
(في إشارة لحصار التيار الديني للمحكمة الدستورية).
"الألتراس"، في أسبوع ذكرى ثورة يناير، ظهروا كملهمين للتيار المدني وخصوم الإخوان، قال اليساري، كمال خليل، لـ 24: "الألتراس، الآن، يعطى درساً لكل الأحزاب السياسية والجماعات والجبهات ملخصه أن الثورة سهلة وبسيطة مثل شكة الدبوس ولا تحتاج إلى الحذلقة على الفضائيات. فهمتم يا ساسة؟"، فيما قالت الناشطة أسماء محفوظ لـ 24: " الألتراس هم الشيء الوحيد المضمون في هذا البلد.. يا فرحة الشهداء بكم".