إذا كانت الصين "الفقيرة والمتخلفة" قد تجرأت على مواجهة أمريكا في ذروة قوتها العالمية عام 1950، فمن غير المرجح أن تتراجع الآن، وهي تهيمن على الصناعة العالمية، وتعد دائناً رئيسياً للاقتصاد العالمي، بحوزتها نحو 6 تريليونات دولار من الأصول بالعملات الأجنبية، إذا ما احتُسبت ممتلكات البنوك الحكومية الغامضة.
هذا ما قاله المحلل الصحفي أمبروز إيفانز بريتشارد في تقريره بصحيفة "تليغراف" البريطانية، مشيراً إلى أن معدل الادخار في أمريكا تراجع إلى 0.6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. وتستند وزارة الخزانة الأمريكية إلى المستثمرين الأجانب لتمويل ديونها الوطنية، التي تجاوزت 122% من الناتج المحلي، وسط عجز هيكلي مستمر يتراوح بين 6% و7% على المدى المنظور.
وفي غضون الـ12 شهراً المقبلة، يتعين على وزارة الخزانة إعادة تمويل 33% من ديونها الفدرالية البالغة 36 تريليون دولار.
لم تكن للصين يد في الاضطراب الذي شهدته سوق السندات الأمريكية الأسبوع الماضي، وهو الحدث الذي وصفه كثيرون بأنه الكارثة الفاصلة الناتجة عن جنون سياسات ترامب.
فقد كانت هناك أسباب أخرى عديدة أخرى بحسب بريتشارد:
· انهيار مراكز صناديق التحوّط التي راهنت على "فروق الأسعار".
· تخلّي الجمهوريين عن مواقفهم التقليدية بشأن ضبط العجز، مقابل تمرير حيلة ميزانية تتيح خفض الضرائب والإنفاق بتريليونات لا تملكها الدولة.
لكن من السهل تخيّل كيف يمكن للصين أن تثير حالة من الذعر قبيل مزادات السندات الأمريكية.
وتساءل الكاتب: هل كان لدى ترامب أي فكرة عمّا كان يفعله حين أطلق حربه الجمركية على الصين، متباهياً بقطع الشريان التجاري الأساسي في النظام العالمي؟
وتابع "كان الأجدر به أن يدرك أن عتبة الألم السياسي لدى الحزب الشيوعي الصيني الشمولي، المسيطر على الإنترنت، أعلى بكثير من نظيرتها لدى أمريكا ترامب، أو لدى السياسيين الجمهوريين المهددين في انتخابات منتصف المدة المقبلة. كما أن شي جين بينغ لديه الكثير ليكسبه من مجرد التحدي ورفض تقبيل الأيادي، كما يقول ترامب بصيغته المتفردة".
تراجع الاعتماد الصيني
في ذروة العلاقات التجارية، كانت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تمثل 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي في أوائل العقد الأول من الألفية. أما اليوم، فقد انخفضت تلك النسبة إلى 2.7% فقط، حسب التقرير.
وبات نحو 86% من صادرات الصين يذهب إلى بقية دول العالم. كما أن "طريق الحرير البحري" يُحوّل أجزاءً كبيرة من الجنوب العالمي إلى نظام اقتصادي صيني متكامل.
وأصبحت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) سوقاً أكبر للصين من الولايات المتحدة. أما منطقة الشرق الأوسط، فباتت مُصنفة في الغالب كـ"موالية للصين" أو "تميل إلى الصين"، وفقاً لخريطة "كابيتال إيكونوميكس" الجيوسياسية.
نظام اقتصادي عالمي جديد
مع ذلك، يقول الكاتب: "لا أنتمي إلى الذين يرون أن هيمنة الصين الاقتصادية حتمية. فقد بالغت في الاستثمار في طاقات إنتاجية زائدة، وتواجه الآن خطر الانكماش الناتج عن الديون، وظاهرة التحوّل الياباني. صحيح أنها متقدمة في قطاعات تكنولوجية كاملة، لكنها تبقى هشة، صلبة، وخاضعة لنظام سياسي قائم على الخوف، وتعاني من علل حكم الحزب الواحد".
ويرى الكاتب أن الديمقراطيات الليبرالية لا تزال تملك كل الأوراق. فالصين لن تفوز بقرن الحادي والعشرين إلا إذا قرر الغرب الانتحار، وهذا بالضبط ما يدفع ترامب نحوه.
وفي كل الأحوال، فإن معظم صادرات الصين البالغة 500 مليار دولار إلى الولايات المتحدة غير حيوية. فشحن الألعاب، والأثاث، والأحذية، والملابس الرخيصة إلى المتاجر الأمريكية لا يُعد تجارة مربحة، ولا يمثل طموح الصين كقوة تكنولوجية صاعدة.
يقول آندي شي، المصرفي السابق في "مورغان ستانلي": "حان وقت إغلاق كل هذه الأعمال منخفضة القيمة التي تبيع لـ وول مارت".
كما تشير تقارير الزميلة سزو بينغ تشان إلى أن مدرسة اقتصادية كاملة في الصين ترى في "صدمة ترامب" الفرصة التي تحتاجها البلاد لتجاوز فخ الدخل المتوسط، وتسلق سلّم القيمة المضافة.
من سيتحمل التبعات السياسية؟
وتساءل الكاتب: "من سيتحمل التبعات السياسية لما يحدث؟ هل تتحملها الصين بقيادتها المحكمة؟ أم أمريكا المضطربة، حيث يعيش 100 مليون مستهلك على بطاقات ائتمانية مستنزفة، دون مدخرات، وبلا أي هامش أمان لمواجهة ارتفاع الأسعار أو فقدان الوظائف؟
يُظهر البنك الدولي أن الصينيين يدخرون ما يفوق الأمريكيين بكثير، حيث يتجاوز الادخار الإجمالي في الصين 45% من الناتج المحلي، مقابل أقل من 20% في الولايات المتحدة.
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسينت يقول إن الصين "تلعب بورقتين ضعيفتين"، في إشارة إلى سيطرتها على المعادن الحيوية والموارد الأساسية التي تُغذّي الاقتصاد التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين.
ويضيف جاك ليفتون، رئيس "معهد المعادن الحرجة": "الاقتصاد المدني الأمريكي فوضوي بالكامل، ولا يمتلك أي خطة متماسكة إذا قررت الصين قطع إمدادات المعادن النادرة".
وقد بدأت الصين بالفعل في تقييد تصدير الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والغرافيت خلال العامين الماضيين، ووسّعت القائمة لاحقاً.
وهذا الاحتكار لم يكن وليد السوق الحر أو الجغرافيا، بل نتيجة سياسة استراتيجية هدفها القضاء على المنافسين عبر الإغراق، وإجبار شركات الصهر الصينية على بناء طاقات إنتاجية زائدة.
ومن المعروف الآن أن الصين تسيطر على نحو 90% من سلسلة توريد المعادن النادرة اللازمة لصناعة الروبوتات، والرقائق، والطيران، والمغناطيسات، والرادارات، والسيارات الكهربائية، وشبكات 5G و6G، والإلكترونيات القوية – وغيرها.
أما نفوذ الصين على مصادر الليثيوم والكوبالت والنيكل، فهو أقل، لكن واشنطن كانت غافلة تماماً عن هذه التهديدات وترامب محق في هذه النقطة.
السياسة المنطقية للولايات المتحدة هي بناء صناعتها التحويلية في هذا المجال خلال العقد القادم، وتوقيع عقود توريد طويلة الأجل مع دول مثل كندا وأستراليا. لكن ترامب اختار بدلاً من ذلك أن يهاجم الحلفاء، وشنّ حربه ضد الصين قبل أن تكون بلاده مستعدة لعواقبها. لقد بدأ التنفيذ قبل وضع الخطة