لا شك أن تكريم الأدباء الذين تجاوز تأثيرهم حدود أوطانهم يمثل تقليداً ثقافياً راقياً، يُسهم في ترسيخ قِيَم الحوار الإنساني والتبادل المعرفي. فالأدب، بصفته مرآة للروح البشرية، يمتلك فرادةً في القدرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، ليطوي البَوْنَ بين التجارب الإنسانية المختلفة، ويصبح جسراً واصلاً بين الشعوب.


في هذا السياق، جاء اختيار الأديب الياباني العالمي هاروكي موراكامي شخصية العام الثقافية في الدورة التاسعة عشرة من جائزة الشيخ زايد للكتاب، تكريساً لهذا المفهوم، إذ يشكّل هذا التكريم احتفاءً بمسيرة أدبية أثّرت في الوعي الأدبي العالمي، وتركَت بصمتها الواضحة في الثقافة العربية، قراءةً وترجمةً وتلقّياً.
جائزة الشيخ زايد للكتاب تعدّ واحدة من أبرز الجوائز الأدبية والثقافية في العالم العربي، اكتسبت مكانة مرموقة على الساحة الدولية بفضل رؤيتها المنفتحة على الثقافات العالمية، وحرصها على تكريم التجارب التي تسهم في بناء المشترك الإنساني، وتغني المحتوى الثقافي العربي. كما أنها تُعنى بدعم التأليف، والنشر، والترجمة، وتشجيع الكُتّاب والباحثين على مَدّ جسور المعرفة بين العرب والعالم.
وموراكامي نموذج حي للأديب الذي تَمثّل ثقافات متعددة في رحلته الإبداعية، ومنها الثقافة العربية التي طالما أبدى إعجاباً خاصاً بها، لا سيّما بحكايات "ألف ليلة وليلة"، بما تحمله من رمزية سردية وثراء خيالي أسهم في تشكيل ملامح عالمه الروائي القائم على التداخل بين الواقع والغرابة، والحلم واليومي. وقد عبّر موراكامي في أكثر من مناسبة عن انبهاره ببنية السرد الدائري والمتشابك في "ألف ليلة وليلة"، حيث تتداخل الحكايات داخل بعضها بعضاً، وتنسج طبقات من المعنى تتجاوز ظاهر النص. هذه التقنية السردية ألهمته في بناء عوالمه الروائية المتعددة الطبقات، التي تتيح للقارئ التوغل في مستويات من الواقع النفسي والميتافيزيقي، كما يظهر بوضوح في أعمال مثل "كافكا على الشاطئ"، أو "الغابة النرويجية"، حيث تتشابك الوقائع مع العوالم الداخلية والرمزية، في نسق سردي لا يخلو من الغموض والتأمل الوجودي.
ولعل من أبرز تجليات هذا التأثر المباشر بالحكايات العربية القديمة قصة كتبها موراكامي بعنوان "شهرزاد"، ضمن مجموعته القصصية "رجال بلا نساء". في هذه القصة، يستحضر شخصية شهرزاد لا بوصفها راوياً فقط، بل كرمزٍ للنجاة عبر الحكي، حيث تستخدم البطلةُ فِعلَ الحكي اليومي كوسيلة للتواصل والبقاء، تماماً كما كانت تفعل شهرزاد الأصلية لتنجو من الموت. لكن موراكامي يعيد توظيف هذه الشخصية في سياق معاصر، محمِّلًا إياها دلالات جديدة عن العزلة، والرغبة في الفهم، والحاجة للبوح الإنساني في وجه الصمت القاسي. وبهذا التفاعل العميق مع الإرث السردي العربي، لا يقدّم موراكامي مجرد انفتاح عابر على ثقافة أخرى، بل يعيد دمجها في نسيجه الإبداعي الخاص، بأسلوب متفرّد يجمع بين العجائبي والوجودي، بين تراث الشرق وأسئلة الإنسان المعاصر.
ولعلّ ما يعمّق من فهْم تأثير "ألف ليلة وليلة" في مشروع موراكامي، هو مقارنته بتجربة أديب نوبل نجيب محفوظ، الذي ظلّ هو الآخر مأسوراً بسحر هذا العمل السردي الخالد. كلا الكاتبين نهل من معين الحكاية العربية، لكنّهما ترجما هذا التأثير بأسلوبين مختلفين وجوهريين. نجيب محفوظ، ابن القاهرة وأزقتها القديمة، جعل من الحكاية الشعبية بنيةً للواقع الاجتماعي، وانطلق منها ليؤسّس مشروعاً روائياً يزاوج بين الواقعي والأسطوري، كما في ثلاثيته الشهيرة أو في رواياته الرمزية مثل "أولاد حارتنا". أما موراكامي، القادم من الشرق البعيد، فقد استثمر البنية الحكائية لـ "ألف ليلة وليلة" ليبني عالماً يطفو على الحافة بين الواقع واللاواقع.
ولعلّ المفارقة الطريفة، والمعبّرة في الوقت نفسه، تكمن في طقسي الكتابة لدى كل منهما: فقد كان نجيب محفوظ يكتب في المساء، بعد أن ينهي عمله في جهاز الدولة، حيث يجد في الليل سكينةً تمنحه عمق التأمل في النفس والناس، بينما موراكامي يكتب في ساعات الفجر الأولى، بعد أن يستيقظ باكراً ويمارس الركض، مفضّلًا الصباح كزمنٍ صافٍ وخالٍ من ضجيج العالم، يسمح له بالتوغّل في طبقات اللاوعي. وكأن كلًّا منهما يستدعي روح شهرزاد في زمن مختلف: أحدهما في الليل كما كانت تفعل هي، والآخر في الصباح، حين تتبدد ظلال الحكاية لتفسح المجال لدهشة جديدة.
وإذا كان موراكامي قد بدأ قارئاً مفتوناً بالسرد العربي، فإنه اليوم أحد أبرز الكُتّاب الذين أثّروا في الذائقة العربية الحديثة، حيث تُقرأ أعماله على نطاق واسع، وتُترجم إلى العربية باهتمام متجدّد، وتدرّس في جامعات عربية، وتُلهم عدداً متزايداً من الكتّاب الشباب، بل القرّاء، وتُثري الذائقة الإنسانية في العموم. إن هذا النوع من التكريم لا يكرّس فقط الاعتراف بالمنجز الإبداعي، بل يؤكد أهمية الأدب بوصفه قوة ناعمة قادرة على صناعة التفاهم وتشكيل وعيٍ إنساني مشترك. كما يشجع على قراءة الأدب العالمي بروح الانفتاح، بوصفه جزءاً من التجربة البشرية الكونية لا نقيضاً لها، ومُراكِماً لخبراتها المشتركة، وإن اختلفت الثقافات التي تنطلق من أرضيتها، ففي الحقيقة يبقى الإنسان واحداً، وإن اختلفت الألوان.
وفي زمن تتصاعد فيه الحواجز السياسية والثقافية، يصبح الأدب واحداً من أنبل المسارات التي تذكّرنا بإنسانيتنا المشتركة، وتمدّنا بالقدرة على التلاقي، لا التصادم، وعلى البناء، لا العزلة. ومن هنا تأتي أهمية تكريم أمثال موراكامي، ليس فقط لما كتب، بل لما مثّل من جسور أدبية وإنسانية تعبر العالم، وتفتح نوافذ جديدة للفهم والتواصل.

(نقلاً عن صحيفة البلاد البحرينية)