رغم الآمال التي عُقدت على عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في أنه قد يكون قادراً على وضع حد للحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا، إلا أن هذه التطلعات بدأت تتلاشى، وفق تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" للكاتب أنطون ترويانوفسكي.

وأفاد التقرير بأن شريحة واسعة من الروس كانت قد رحبت بانتخاب ترامب من جديد، انطلاقاً من اعتقاد بأن بإمكانه التوصل إلى اتفاق سلام تفاوضي يراعي مصالح الكرملين. غير أن الشعور بخيبة الأمل بات واضحاً في موسكو، بعد مرور ثلاثة أشهر على بداية ولايته الثانية.

إحباط داخل أروقة الكرملين

وفي سلسلة من المقابلات، أعرب مسؤولون في دائرة الكرملين عن استيائهم من أسلوب ترامب المتسرّع في التعامل مع المحادثات، ومن موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتصلّب في المفاوضات. ويأتي ذلك في وقت حذّر فيه ترامب ووزير خارجيته، يوم الجمعة، من احتمال انسحاب واشنطن من جهود الوساطة، ما أثار قلقاً من أن يؤدي ذلك إلى تصعيد إضافي في القتال.

وقال السياسي الليبرالي الروسي غريغوري يافلينسكي، الذي التقى بوتين في عام 2023 لحثّه على وقف إطلاق النار، إن عملية السلام "تسير ببطء شديد، وليست بالوتيرة التي كنا نأملها"، مضيفاً أن بوتين "يواصل القتال ويستغل الوقت لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الدخول في مفاوضات جوهرية".

وتساءل التقرير عمّا إذا كان بوتين سيتراجع عن شروطه التي لم تتغير كثيراً منذ طرحها صيف العام الماضي، والتي تتضمن انسحاب أوكرانيا من مساحات شاسعة من الأراضي، وتعهّدها بعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، مقابل وقف القتال.

رسائل ترامب لا تُقنع الكرملين

رغم تزايد التصريحات الأميركية التي تحذر من نفاد صبر واشنطن، لم يُظهر بوتين أي بوادر على التراجع. فروسيا رفضت، على سبيل المثال، عرضاً لوقف إطلاق النار مدته شهر كانت أوكرانيا قد وافقت عليه في مارس (آذار) الماضي.

ويبدو أن قلة تعاطف ترامب مع أوكرانيا، وتدهور علاقته مع حلفاء الولايات المتحدة، عززا من ثقة بوتين بقدرة روسيا على حسم الحرب لصالحها من خلال استنزاف الخصم. وفي هذا السياق، تواصل موسكو التلميح إلى استعدادها لتقديم صفقات اقتصادية مغرية للولايات المتحدة، أملاً في كسب ود ترامب بغض النظر عن نتائج المعركة.

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد صرح يوم الجمعة بأن واشنطن قد تقرر "في غضون أيام" التخلي عن جهودها لوقف الحرب. من جهته، قال ترامب إن بلاده قد "تنسحب من المحادثات" إذا صعّب أحد الطرفين الأمور بدرجة كبيرة.

ورغم ذلك، لا تزال موسكو تؤكد أنها "منفتحة على الحوار"، إلا أن موقفها يعكس عدم استعجال في التوصل إلى تسوية، بحسب التقرير.

أمل تراجع

أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز "ليفادا" الروسي المستقل أن الروس رحبوا بعودة ترامب إلى السلطة، معتبرين ذلك "فرصة لإنهاء الحرب". ومع ذلك، لم يدلِ الرئيس الروسي بتصريحات علنية مهمة حول الحرب منذ زيارته لغواصة قطبية الشهر الماضي، حين قال إن روسيا مستعدة "للقضاء على" خصومها، في إشارة إلى أوكرانيا.

وفي هذا الشهر، استقبل بوتين مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، في لقائهما الثالث منذ فبراير، في وقت أجرى فيه مسؤولون أمريكيون وروس محادثات مباشرة في كل من السعودية وتركيا والولايات المتحدة. لكن تلك اللقاءات لم تفضِ إلى أي تقدم ملموس في تهدئة المعارك أو تقليل وتيرة الضربات الروسية على المدن الأوكرانية.

مع ذلك، أعرب نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن تفاؤله، مؤكداً أن البيت الأبيض لا يزال يرى إمكانية لإنهاء الحرب.

استياء مكتوم في موسكو

ورغم التكتم الرسمي، تحدث بعض المقربين من الكرملين، بشرط عدم الكشف عن أسمائهم نظراً لحساسية الملف، عن شعورهم بالقلق. وقال أحدهم إن بوتين كان أكثر عناداً مما كان متوقعاً، وإنه بدا مصمماً على القتال حتى السيطرة الكاملة على المناطق الأوكرانية الأربع التي أعلنها جزءاً من روسيا في عام 2022.

وذكر آخر أن بوتين، رغم ساعات من المحادثات مع ترامب ومبعوثه، لم يُبدِ استعداداً للتوقف عن القتال ما لم تُحقق بعض المطالب الجوهرية، وعلى رأسها منع توسيع حلف الناتو نحو الشرق.

وقال محلل مقرب من الحكومة الروسية إن الكرملين لم يُظهر حتى الآن المرونة التي كانت متوقعة بشأن قضايا حساسة، مثل مستقبل المناطق الأوكرانية التي ضمّتها روسيا، لكنه في الوقت نفسه يحاول توسيع جدول التفاوض ليشمل ملفات مثل الطاقة، والقطب الشمالي، وبرامج الفضاء، في محاولة للحفاظ على مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة حتى إذا فشلت المفاوضات حول أوكرانيا.

ترامب... وسذاجة أمريكية؟

يرى البعض في موسكو أن نفاد صبر واشنطن يعود إلى اعتبارات انتخابية داخلية، في ضوء وعود ترامب بإنهاء الحرب بسرعة. ومع ذلك، لا يزال البعض يعتقد أن التوصل إلى تسوية ممكن.

وقال فيودور فويتولوفسكي، مدير معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو، إنه تفاجأ بما وصفه بـ"سذاجة" الأمريكيين في توقع إنهاء الحرب بهذه السرعة، مضيفاً: "نحن فقط في بداية الطريق".

وأوضح أن روسيا "لن تفرّط في مصالحها الأمنية فقط لمساعدة ترامب على تجاوز أزماته السياسية الداخلية"، معتبراً أنه إذا انسحبت واشنطن من مفاوضات أوكرانيا، فستسعى روسيا إلى "تهيئة الظروف لاستئناف العملية الدبلوماسية" مع الاحتفاظ بحقها في "استخدام القوة".

وفي السياق ذاته، جدّد يافلينسكي دعوته إلى اتفاق يشمل الأمن الأوروبي، مشيراً إلى أن ترامب لم يطرح حتى الآن رؤية واضحة لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما يُعد عنصراً ضرورياً لأي تسوية ناجحة.

واختتم السياسي الروسي بقوله: "الإدارة الأمريكية لا تملك سوى رغبات عامة بشأن ما تريده. لا يوجد فهم دقيق لكيفية تحقيق ذلك".