تحت شعار "سياقات جديدة في عهد الذكاء الاصطناعي: التحديات التقنية والتطلعات المستقبلية"، انطلقت فعاليات مؤتمر الترجمة الدولي الخامس، الذي ينظمه الأرشيف والمكتبة الوطنية بمشاركة عشرات الخبراء والمختصين والأكاديميين من مختلف دول العالم.
عبدالله ماجد آل علي: المؤتمر امتداد لنهجٍ أصيل تتبناه دولتنا التي آمنت بأهمية الذكاء الاصطناعي
استهل المؤتمر بفيلم أكد أهمية الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، ومدى اهتمام الإمارات بالاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة لخدمة رؤيتها للتنمية، وأكد الأرشيف والمكتبة الوطنية أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن المترجم، وإنما هو شريك يعزز الإبداع.

وتم افتتاح المؤتمر بكلمة مدير عام الأرشيف والمكتبة الوطنية الدكتور عبدالله ماجد آل علي، حيث أكد أن مؤتمر الترجمة يعد امتداداً لنهجٍ أصيل تتبناه الإمارات، بقيادة تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الغاية، وأن الحفاظ على الهوية لا يتناقض مع الانفتاح على المستقبل، بل يتكامل معه.
وأوضح "إن الإمارات منذ مراحل مبكرة آمنت بأهمية الذكاء الاصطناعي ليس كأداة للتكنولوجيا فحسب، بل كقوة محركة للتنمية المستدامة، فأطلقت الاستراتيجيات وأنشأت المؤسسات واستثمرت في العقول، ووسّعت نطاق تطبيقاته ليشمل مجالات الحياة كافة ومن ضمنها قطاع الترجمة الذي يشهد اليوم تحوّلات جوهرية، بفعل أدوات الترجمة الآلية، والنماذج اللغوية التوليدية، والتطبيقات الذكية".
وبيّن أن مؤتمر الترجمة يسلّط الضوء على محاور نوعية، تشمل أثر الذكاء الاصطناعي في الترجمة التحريرية والشفوية، والتطورات في الترجمة الفورية عن بُعد، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة لخدمة أصحاب الهمم، ودور التقنية في نقل الثقافة الشعبية واللهجات المحلية، دون الإخلال بخصوصياتها، ويناقش أيضاً مستقبل المهنة في ظل هذا الانقلاب التقني، وسبل تطوير المناهج التعليمية والتدريبية لتأهيل مترجمين قادرين على التفاعل مع هذه المرحلة بحكمة وكفاءة.
وقال: "المترجم أصبح أكثر من وسيط لغوي، بل شريكاً حقيقياً في صياغة الخطاب، وحامياً للخصوصيات الثقافية وحلقة أساسية في ضمان التنوع والتعدّدية في الفضاء المعولم، حيث تبرز - أكثر من أي وقت مضى - أهمية الإنسان المترجم، في الحفاظ على النبرة، والرُّوحِ، والسياق، والهُوِيَّةِ، فالتكنولوجيا حتى اليوم لم تستطع أن تكون بديلًا كاملًا عن الإنسان، بل لا تزال تحتاج إلى من يطعّمها بالحس، ويضبط إيقاعها بالقيم، ويعيد توجيهها نحو الغايات النبيلة".

وقال مدير إدارة البحوث والخدمات المعرفية حمد الحميري: إننا نعيش اليوم لحظة محورية في ظل تطور علم الترجمة كمجال أكاديمي وممارسة مهنية، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي – الذي كان يعد في الماضي أفقاً بعيداً أو حتى خيالاً علمياً – قوة محورية تعيد تشكيل طرائق الترجمة عبر اللغات المختلفة.
وأشار إلى أن ظهور نماذج الترجمة الآلية المتقدمة، وأنظمة معالجة اللغة الطبيعية، قد أسهما في تحقيق إنجازات مذهلة في مجالات الترجمة واللغة والتكنولوجيا، ولكن في الوقت ذاته أفرزت التطورات الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي تحديات عديدة تستحق التأمل العميق والبحث العلمي المستمر، مشيراً إلى أنه في سياق دراسات الترجمة، أضحت تقنيات الذكاء الاصطناعي تفرض أسئلة حاسمة: كيف نحافظ على الدقة اللغوية والحساسية الثقافية في النصوص المولّدة آلياً؟ إلى أي مدى يمكن أن تعيد هذه التقنيات تعريف مفاهيم تقليدية تتعلق بدور المؤلف، ودور المترجم؟ وما هي المسؤوليات الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في السياقات متعددة اللغات.
وعرضت رئيس قسم الترجمة والنشر في الأرشيف والمكتبة الوطنية عائشة الظاهري التطور الذي لاقاه مؤتمر الترجمة الدولي على مدار 5 أعوام، فتطرقت لموضوعات كل نسخة، وللعدد الكبير من المتحدثين الذين قدِموا من مختلف أنحاء العالم، ولأعداد الجلسات التي تضمنتها النسخ الخمس، والحضور الكبير الذي حظيت به فعاليات المؤتمر ونشاطاته.

وتناول عميد كلية الدراسات العليا والبحث العلمي في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية- الدكتور رضوان السيد سؤالاً محورياً: هل ينتهي دور المترجم أم يبدأ عصر جديد من التفاعل بين الإنسان والتقنية؟
وتحدث عن جوانب من تجربته الشخصية في مجال الترجمة، فأشار إلى أن الباحث الذي يعتمد على ترجمة الذكاء الاصطناعي يكون نتاجه أفضل فهماً وصياغة من ترجمة الذي يعتمد على المراجع والمصادر التقليدية، ما لم تكن المادة المترجمة في مجال النصوص الأدبية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يزال قاصراً أمام ترجمة المجازات والمصطلحات الخاصة، ولا يستطيع أن ينقل الجمل المتعلقة بالعواطف والمشاعر والانفعالات، ثم تطرق للفرق بين المترجم والناقل الحضاري، فالمترجم نصاً بنص سوف ينتهي دوره مع ارتقاء دور الذكاء الاصطناعي في مجال الترجمة، أما الناقل الحضاري مثل البيروني الذي نقل للعربية معالم الحضارة الهندية، وعبدالله بن المقفع الذي نقل معالم الحضارة الفارسية فسيظل له دوره مهما تعاظم شأن الترجمة الذكية في ميدان الترجمة.

وأثناء الجلسة الأولى للمؤتمر، والتي أدارها الدكتور فوزي الغزالي من جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، تحدث فيها البروفيسور صديق جوهر خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية عن الترجمة والذكاء الاصطناعي وتأمل عند مفترق الطرق أبرز المنعطفات اللغوية والمزالق الثقافية، وتحدثت فيها الدكتورة أنيسة داوودي من جامعة برمنغهام في بريطانيا عن جماليات الذكاء الاصطناعي متسائلة عن إمكانية الذكاء الاصطناعي ترجمة ما لا يمكن ترجمته، وتحدث فيها الأستاذ الدكتور لورانس وارنر من كلية الملك في بريطانيا عن ترجمة مخطوطة السير جاوين والفارس الأخضر، وتناول الدكتور ميغيل برنال ميرينو من جامعة لاس بالماس الإسبانية- قضية دمج تقنيات وبرمجيات الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع التعليمي، وتطرق الدكتور إيغور مافير من جامعة ليوبليانا السلوفينية لقضية تأليف وتصحيح أخطاء الذكاء الاصطناعي في الكتابة الإبداعية ومستقبل الأدب، وسلطت الدكتورة حنان الجابري من الجامعة الأردنية الضوء على الذكاء الاصطناعي مقابل العقل البشري، وترجمة الفروق الثقافية الدقيقة في ثلاثية القاهرة لنجيب محفوظ.