في سياق مشروع ترسيخ الدولة القطرية الذي بدأ الحماس له في المنطقة العربية منذ أكثر من عقدين، تقدمت الهويات القطرية على الهوية القومية الجامعة. ورفعت في عدد من العواصم العربية شعارات تعلي الولاء القطري على الانتماء للأمة. بل إن واحداً من هذه الشعارات وهو الذي ينص على اسم الدولة متبوعاً بكلمة "أولاً"، كان فيه ما يوحي بالتحريض على تجاهل "ثانياً" و"ثالثاً" ... و"عاشراً"، وقد استثمرت قوى وتعبيرات معروفة بولائها الجغرافي هذا الشعار في التحريض على "الآخر الشقيق" واعتباره عدواً ينبغي الحشد لمواجهته.

وهكذا تراجع العداء المجتمعي للأعداء الحقيقيين الذين يحتلون فلسطين والذين يحتلون العراق والذين يهددون العرب في الخليج ويعبثون بأمنهم الداخلي، وانشغلت المكونات المجتمعية بمناكفاتها الداخلية التي عبرت عن نفسها بمواجهات عنيفة في بعض الأحيان.

ومع الضخ الإعلامي المتواصل لهذا الشعار وما شابهه من شعارات، ومع توجيه الخطاب السياسي الرسمي والحزبي للنفخ في أبواق الولاءات القطرية الضيقة استعادت الروح العشائرية وهجها وزاد النفوذ القبلي في الدول المنخرطة في هذا المشروع، حتى صار للدولة قبيلة مثلما لها علم وجيش وإذاعة وجريدة.

ظهرت قبيلة الدولة لتحتكر الولاء والانتماء وصار كل الآخرين غرباء في أوطانهم أو مشكوكاً في ولائهم للوطن أو متهمين دائما بالتنفع والتكسب والانتهازية، ما أدى في النهاية إلى المطالبة بسحب جنسياتهم، وهو الأمر الذي حدث بالفعل لأعداد منهم.

ثم تضخمت العشيرة حد تحدي الدولة في مناسبات معينة، ما أسفر عن إعادة النظر في الخطاب الداخلي والعمل على الحد من تضخم العشائر وتفشي النفس القبلي. لكن هذه المراجعة بدأت بعد أن أدرك أصحاب التوجه القبلي حجم نفوذهم وقوتهم، ولم يكن سهلاً إقناعهم بالتجرد من هذا الإحساس.

تضخمت قبائل الدول، وتغير دور القبيلة وهويتها من وحدة اجتماعية إلى كيان سياسي فاعل ومؤثر في القرار الرسمي، وصار صعبا تجاوزها في الحكم أو في المعارضة وحراكها السياسي والميداني، ما خلق لصناع القرار في عديد من الدول العربية أزمة لا يمكن حلها بقرار.

حتى الثورات التي ينبغي أن تعلي قيمة الوطن الجامع على أي قيمة أخرى عانت من نهوض القبلية، واستسلمت للنفس القبلي وتحولت فصائلها إلى قبائل سياسية. ولعل واقع حركتي فتح وحماس يؤكد ما نذهب إليه هنا.

برزت ظاهرة قبيلة الدولة في مرحلة ما قبل الربيع العربي، وقد لعبت قبائل الدول دوراً مؤثراً في مواجهة التغيير والدفاع عن النظم الحاكمة انطلاقاً من قناعتها بأن الدولة هي النظام. ولعل في تجربة القبائل في شرق ليبيا وشمال اليمن واستنفارها للدفاع عن معمر القذافي وعلي عبد الله صالح ما يؤكد هذه العلاقة وهذا الدور.

الآن، وبعد أن تغيرت تفاصيل كثيرة في الواقع السياسي، واستقوت أنظمة الحكم، قديمها وجديدها، بأطراف وقوى خارجية لإحكام سيطرتها على البلاد والعباد، تنتقل القبيلة من حالة اسناد النظام ودعمه إلى فرض استبداله والتفرد بالحكم بلا شراكة مع أحد، وهكذا بدأت بالانحسار ظاهرة قبيلة الدولة لتنشأ دولة القبيلة، وهي الدولة القائمة بالفعل في بعض أجزاء ليبيا واليمن والعراق وفي غزة ورام الله.

أنتج التشوه السياسي تشوها اجتماعيا وتداخل التشوهان في لحظة صعبة يختار فيها عرب الربيع أن يعودا إلى الوراء، ولا يبدو ممكناً تقويم الحالة، لأن قوى التغيير منذورة للموت والاندثار، ولا مكان في واقعنا المزري الا للرجعيات وقوى الشد العكسي. لذا تنشأ دول القبائل وعلينا قبول وجودها كأمر واقع. وربما علينا أيضا أن نوقف هذا الهراء في الخطاب الرسمي وفي مناهج التعليم وفي الأغنيات الوطنية .. لأن بلاد العرب لم تعد أوطاناً لأهلها.