قد توحي أحداث السويداء أن إسرائيل تدخّلت تحت ضغط الدروز الإسرائيليين لتأديب سوريا، ومنح السويداء خصوصية في الدولة السورية، تشفي غليل الدروز الذين تعرضوا للإهانة من جهة، ومن جهة أخرى تستجيب لمطالبهم بخصوصية السويداء في ما يشبه الحكم الذاتي. لكن في الحقيقة، تلك الحوادث هي فخ محكم استدرجت إسرائيل الحكومة السورية إليه، ليس بهدف استغلاله لابتزاز الحكومة السورية لتقديم المزيد من التنازلات، واستقطابها للتطبيع.
لقد تلقفت إسرائيل فرصة ذهبية قدمتها على طبق من ألماس أخطاء الحكومة السورية باقتحامها السويداء، واعتداء بعض أفراد قواتها على الدروز، وإهانتهم بمختلف الوسائل، من تقاذف عمائم الشيوخ بالأقدام، وحلاقة شواربهم، إلى القتل والتنكيل. إذ سيكون من أثر هذه الإهانات بتر الانتماء إلى سوريا، لأن طباع الدروز لن تتجاوز هذه الإهانات.
تركت إسرائيل الحكومة السورية تفعل ما تريده لتضمن أكبر قدر من تنفير الدروز من سوريا، لتمكين نقمة الدروز واستدراجهم للانفصال عن سوريا، حيث ستشكل السويداء والقنيطرة والجولان شبه محمية درزية من قبل إسرائيل، تكفيها عناء فكرة الاحتلال. إذ تصبح هذه الجغرافيا ذاتياً مستقلة عن سوريا، ملحقة بإسرائيل، حتى لو فرضت الأمم المتحدة فكرة الاستفتاء، فسيكون لصالح إسرائيل.
هذه هي الكارثة الحقيقية التي استدرجت إسرائيل إليها الدروز والحكومة السورية. وكان هذا نتيجة غير محسوبة لأخطاء الحكومة السورية في التفاوض مع إسرائيل والتعامل مع الدروز، وتتحمل جانباً كبيراً من هذا الخطأ الدول الداعمة للحكومة السورية التي استدرجتها للتفاوض مع إسرائيل، وهي الخبيرة بجشع إسرائيل في التفاوض مع الدولة الضعيفة. ويرجع هذا الخطأ الفادح إلى خطأ قراءة تاريخ الدروز وخطأ قراءة استراتيجية إسرائيل في التفاوض.
طالما أدى خطأ السياسيين في قراءة التاريخ إلى كوارث تاريخية هائلة في مصير الأمم، فقد تخوّف فقهاء السياسة في كل عصر من السياسات التي تخطئ في قراءة تاريخ الشعوب والأحداث، وتتغطرس بقراءتها وفق كيميائها الذاتية، لأن معظم القادة السياسيين، وخاصة أصحاب النزعات التاريخية والهائمين بنماذجها، الساعين لتقمصها رغبةً في إعادة أمجادها، يوجهون قراءاتهم السياسية بكيميائهم الذاتية التي تعميهم، بسطوة النماذج، عن الظروف التي استطاعت فيها النماذج تحقيق أمجادها. فالتاريخ يؤكد أن ليس كل نموذج صالحاً في أي ظرف وزمان ومكان.
ولا ينطبق هذا الكلام على قادة العرب الذين يغوصون في رمال متحركة من ترجمات قاصرة للواقع السياسي فحسب، بل نجد أن مؤرخاً أمريكياً معاصراً هو آرثر شليزنغر وجّه ملاحظاته الصاخبة إلى ساسة أميركا وقال: "إذا لم يصغ السياسيون إلى المؤرخين، سيقعون في أخطاء فادحة". وجعل هذه المقولة فكرة كتابه "دورات التاريخ الأمريكي"، ورأى أن الاستراتيجيات، مهما بلغت من الإبداع والتجديد، إن تكررت، فإنها ستكرر نتائجها. ومثّل لذلك بقوله: "التاريخ الأمريكي يمر بدورات متعاقبة تستمر كل منها عشرين عاماً، تبدأ بحرب وتنتهي بكساد".
والقادة العرب الذين تبنوا السير على خطى التطبيع كانوا، على طول تجاربهم مع ألاعيب إسرائيل السياسية وخدعها التفاوضية، يكررون الوقوع في الخطأ الفادح نفسه بسبب خطأ قراءتهم للاستراتيجيات السياسية الإسرائيلية المناورة ببراعة. وهم من قاد الحكومة السورية الجديدة إلى الوقوع في الخطأ ذاته في قبول التفاوض مع إسرائيل، لأن إسرائيل، حين تفاوض بتوازي القوى تحقق مكاسب أكثر بكثير من حقها، فكيف بها وهي تفاوض حكومة في منتهى الضعف العسكري، بعد أن دمرت بنفسها ما بقي من قواها، وبعد أن بدّد معظمها المخلوع بشار الأسد، إضافة إلى وراثة هذه الحكومة اقتصاداً رأسماله صفري، ورأسمالاً اجتماعياً صفرياً لتشتت المجتمع السوري في تيارات وطوائف، وتخندقه وراء ثارات بكماء، وتنازعات ولائية عمياء.
تمكنت إسرائيل من استدراج الحكومة السورية إلى فخ التفاوض الخاسر بكل المقاييس، ولتمعن في إخضاعها لتنازلات لم تحلم بها، قادتها إلى فخ الدخول إلى السويداء، بعد أن ضمنت تشويه صورتها بأحداث الساحل، ووضعها في موقف المدان. فتحقق لإسرائيل بذلك أهم عنصرين للتنمر عليها، وهما الإدانة والضعف.
لا ندري هل إسرائيل من أعطى الضوء الأخضر لدخول السويداء، أم تم ذلك بطريقة غير مباشرة عن طريق الوسطاء. في الحالتين، كانت إسرائيل تضمر إيقاع الحكومة السورية بفخ عداء الدروز، الذين يتميزون بخصائص وتقاليد عريقة لا تُخترق، فتجاهلت قراءة حساسية تاريخهم، وكان أقربها ثورة سلطان الأطرش، وكانت في حقيقتها نتيجة حادثة مثلت إهانة للدروز وزعيمهم. وتتلخص هذه الحادثة في أن الثائر "أدهم خنجر" لجأ إلى سلطان باشا الأطرش، واعتقله الفرنسيون أثناء غياب الأطرش في رحلة صيد، فثارت حمية الأطرش على اعتقال ضيفه، ودفعه ذلك إلى الالتحاق بالثورة وتزعمها.
سواء اتفقنا أم اختلفنا مع خصوصية الدروز وطباعهم، وسواء كانوا على حق أم على باطل، فليست تلك هي القضية، إنما القضية هي الخطأ السياسي في التعامل معهم، وعدم تفويت الفرصة على إسرائيل لاستغلالها، واستثمارها للسيطرة على السويداء وجبل الشيخ والقنيطرة والجولان. وأظن إصلاح هذا الخطأ لن يكون يسيراً.