يضغط حلفاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على الجيش الإسرائيلي لشنّ هجوم جديد في غزة، وربما لإعادة احتلال كامل القطاع، في وقت تظهر فيه خلافات كبيرة بين الحكومة والقيادة العسكرية للبلاد، وذلك وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز".
واتخذ بعض الوزراء في الحكومة خطوة غير معتادة عبر الإصرار علناً على أن الجيش سيلتزم بجميع الأوامر التي يتلقاها من الحكومة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالسيطرة على الأجزاء المتبقية من غزة غير الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
عقد نتانياهو مشاورات استمرت ثلاث ساعات يوم الثلاثاء مع عدد من كبار قادته، من بينهم رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي إيال زامير، وذلك قبيل اجتماع رسمي كامل لمجلس الأمن المصغر المقرر يوم الخميس.
انقسامات داخلية
وهددت إسرائيل بتوسيع هجومها العسكري ليشمل مناطق إضافية من غزة في محاولة لزيادة الضغط على حركة حماس وإجبارها على الإفراج عن بقية الرهائن الإسرائيليين الذين لا تزال تحتجزهم.
وطالب عدد من وزراء نتانياهو بإعادة احتلال كاملة للقطاع المدمر، وهي خطوة يُعرف أن الجيش الإسرائيلي يعارضها لأنها قد تعرض حياة الرهائن للخطر، وتُجهد القوات البرية المنهكة بالفعل من الحرب، وتنقل عبء إدارة القطاع بالكامل إلى الجيش الإسرائيلي.
وتعرض رئيس الأركان إيال زامير لضغوط من وزير الأمن القومي الإسرائيلي ليُعلن صراحة أنه سيلتزم بالكامل بتوجيهات القيادة السياسية.
وقال مكتب نتانياهو في بيان مقتضب مساء الثلاثاء: "جيش الدفاع الإسرائيلي مستعد لتنفيذ أي قرار يتخذه مجلس الأمن المصغر"، في حين أفادت تقارير مجهولة المصدر في وسائل الإعلام الإسرائيلية بوجود خلافات حادة بين رئيس الوزراء وزامير.
وكان نتانياهو عيّن زامير في مارس (آذار)، بعد أن تم دفع سلفه هرتسي هليفي إلى التنحي عقب هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وسط خلافات مع الحكومة حول استراتيجية الحرب.
وتم الترويج لزامير في ذلك الوقت من قبل حكومة نتانياهو على أنه جنرال "هجومي" سيكون أكثر عدوانية في تنفيذ الحملة العسكرية ضد حماس.
أهداف الحرب
وقال وزير الأمن القومي المتشدد إيتمار بن غفير على منصة "إكس" يوم الثلاثاء: "رئيس الأركان مطالب بالتصريح بوضوح أنه سيلتزم بالكامل بتوجيهات القيادة السياسية، حتى وإن تم اتخاذ قرار باحتلال (كامل غزة) وهزيمة (حماس)".
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يوم الأربعاء عن زامير، إن لرئيس الأركان "الحق والواجب... في التعبير عن موقفه في المنتديات المناسبة"، لكنه حذّر من أنه "بعد اتخاذ القرارات من قبل القيادة السياسية، سينفذ جيش الدفاع الإسرائيلي ما يُقرّر بحزم ومهنية... حتى تحقيق أهداف الحرب".
وكانت المحادثات بشأن وقف جزئي لإطلاق النار مدته 60 يوماً بين إسرائيل وحماس قد انهارت الشهر الماضي وسط تبادل الاتهامات، حيث شددت الحركة بعض مطالبها، فيما رفض نتانياهو ضمان أن تؤدي أي صفقة إلى إنهاء كامل للصراع.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد خرق هدنة قصيرة في مارس (آذار) واستأنف الهجوم العسكري في غزة بهدف تحقيق "نصر كامل" على حماس.
وصرح مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون للصحيفة بأن حماس لا تبدو مهتمة بالتوصل إلى اتفاق، وأن "خيارات بديلة" للإفراج عن الرهائن الخمسين المتبقين يُعتقد أن 20 منهم لا يزالون على قيد الحياة قيد الدراسة.
موقف ترامب
وقد رفض نتانياهو، وبدعم واضح من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنهاء الحرب حتى يتم الإفراج عن جميع الرهائن ونزع سلاح حماس سواء من خلال صفقة شاملة تُسلم فيها الحركة أو عبر تصعيد عسكري متزايد.
ولم يبدِ ترامب موقفاً واضحاً بشأن احتمال توسيع إسرائيل لهجومها ليشمل الـ25 في المئة المتبقية من غزة غير الخاضعة بعد لسيطرة الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك مدينة غزة، دير البلح، والمخيمات الوسطى في القطاع. وقد تركزت الغالبية العظمى من سكان القطاع البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة في هذه المناطق، حيث تسود ظروف إنسانية قاسية، وتحذر منظمات الإغاثة الدولية من خطر المجاعة.
وقال ترامب للصحافيين يوم الثلاثاء إنه يركّز على "محاولة إطعام الناس" في غزة، لكنه أضاف أن الأمر "يرجع إلى إسرائيل" فيما إذا قررت إعادة احتلال كامل للقطاع.
وفي ظل تزايد الإدانة الدولية لإسرائيل بسبب حرب غزة، قامت حكومة نتانياهو أواخر الشهر الماضي بتغيير سياستها بشأن دخول المساعدات إلى القطاع، فخفّفت القيود، وفتحت معابر جديدة، وأنشأت ممرات آمنة لتحسين التوزيع.
ومع ذلك، فإن هذا التدفق من المساعدات، الذي وصفه الفلسطينيون ومنظمات الإغاثة بأنه غير كاف، قد يتعرض للخطر في حال شُنّ هجوم جديد من قبل الجيش الإسرائيلي وأُجبر مئات الآلاف من المدنيين على النزوح مرة أخرى، حيث صرح نتانياهو يوم الأحد بأن المساعدات من المرجح أن تُنقل إلى "المناطق الواقعة خارج مناطق القتال، وبقدر الإمكان، إلى المناطق غير الخاضعة لسيطرة حماس".
مدن إنسانية
وبحسب شخص مطلع على الأمر تحدث للصحيفة، فإن الجيش الإسرائيلي يعارض أيضاً إنشاء ما يُسمّى بـ"مدن إنسانية" التي اقترحها كاتس وعدد من الوزراء في جنوب غزة، والتي يمكن نقل جزء كبير من سكان القطاع إليها.
ومع ذلك، حذر مسؤول إسرائيلي من أن التصريحات الأخيرة والخلافات العلنية بين الحكومة والجيش الإسرائيلي بما في ذلك التهديد بإعادة الاحتلال الكامل تهدف أيضاً إلى زيادة الضغط على حماس للعودة إلى طاولة المفاوضات.
وقال المسؤول: "سيوسعون (الهجوم)"، مضيفاً في إشارة إلى الحكومة: "لكن الأمر يتعلق بالتوسيع (العسكري) والضغط (على حماس)".
وتكهّن محللون عسكريون أنه في حال عدم اللجوء إلى إعادة احتلال كاملة، فإن قادة الجيش الإسرائيلي سيُوصون بتوسيع محدود للحملة في مدينة غزة ووسط القطاع، ليشمل غارات برية محددة وضربات جوية دقيقة.
ويقدّر المحللون أن السعي للسيطرة الكاملة على قطاع غزة سيتطلب نشر عدة فرق من المشاة والدبابات، بما في ذلك استدعاء وحدات احتياطية إضافية، كثير منها يخوض المعارك منذ مئات الأيام منذ بداية الحرب قبل 22 شهراً.
وفي الأيام الأخيرة، قام زامير فعلياً بتقليص الوجود العسكري داخل غزة، وقلّص مدة الخدمة للجيش الإلزامي بعد احتجاج شعبي، وصرّح رسمياً بنيته إراحة الجيش وإعادة تأهيله خلال العام المقبل.