عندما اجتمع القادة الأوروبيون في البيت الأبيض لاستعادة زمام المبادرة بعد قمة ألاسكا بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، استندوا إلى تشبيه واحد: التخلي عن السيادة الأوكرانية على أجزاء من شرق أوكرانيا لروسيا سيكون بمثابة أن تسلّم الولايات المتحدة ولاية فلوريدا.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع: "المطلب الروسي بأن تتخلى أوكرانيا عن أجزاء من دونباس سيكون، لتوضيح الحجم، مشابهاً لطلب الولايات المتحدة التخلي عن فلوريدا".
واقع ملموس
وقد لقي هذا التشبيه صدى لدى الرئيس الأمريكي، وفقاً لمصدرين أحيطا علماً بالمحادثات، تحدثا لصحيفة "فايننشال تايمز".
ولإقناع الرئيس الأمريكي، أحضر فريق فولوديمير زيلينسكي خريطة إلى المكتب البيضاوي، وصفها ترامب بأنها "رائعة".
وكان الهدف من الخريطة، بحسب الصحيفة، هو وضع الرئيس الأمريكي أمام واقع ملموس، حيث تُظهر خط الجبهة الممتد 1300 كيلومتر الذي يمزق أوكرانيا، ونسبة كل من المناطق الخمس التي تحتلها روسيا.
ومع ذلك، في أوكرانيا، عمّق مشهد ترامب وزيلينسكي وهما يتحدثان أمام الخريطة المخاوف بشأن التنازلات الإقليمية، حتى مع محاولة القادة الأوروبيين تحويل التركيز من استيلاء بوتين على الأراضي إلى الضمانات الأمنية الأمريكية.
قالت داريا كالينيوك، مديرة مركز العمل ضد الفساد، وهو منظمة رقابية مقرها كييف: "رؤية ذلك جعلتني أشعر بقلق بالغ.. لقد تحدث دونالد ترامب عن تبادل أراضٍ، لذلك تساءلتُ لماذا لم تكن هناك أيضاً خريطة لروسيا إذا كنتم تتحدثون عن تبادل أراضٍ".
إنهاء الحرب
كان الرئيس الأمريكي قد أصر في الفترة التي سبقت اجتماع ألاسكا على أن إنهاء الحرب قد يتطلب "بعض تبادل الأراضي". وفي أنكوراج، طالب بوتين بانسحاب أوكراني كامل من منطقتي دونيتسك ولوغانسك كشرط للسلام. وقد أثار ذلك ذعراً في أوكرانيا، حتى مع سارع زيلينسكي وساسة آخرين إلى نفي موافقتهم على مثل هذه التنازلات.
وقال يهور تشيرنييف، نائب رئيس لجنة الدفاع والاستخبارات في البرلمان الأوكراني والعضو في حزب زيلينسكي: "لدينا خطوطنا الحمراء: لا قيود على سيادتنا، ولا اعتراف بأي جزء من الأراضي الأوكرانية كجزء من روسيا، ورفض التنازل عن أراضٍ لا تحتلها روسيا حالياً".
وبالنسبة للقيادة الأوكرانية، فإن التنازل عن أراضٍ جديدة ليس مجرد مسألة سياسية شديدة الحساسية، بل يُنظر إليه أيضاً على أنه تمهيد لمزيد من العدوان الروسي، بحسب التقرير.
وتقول الصحيفة إن الانسحاب من الجزء المحصن بشدة من منطقة دونيتسك، الذي لا تزال القوات الأوكرانية تسيطر عليه، ستكون له تداعيات عسكرية واسعة، وفقاً لمحللين وعسكريين.
إذ سيعني ذلك التخلي عن حزام دفاعي لم تتمكن روسيا من اختراقه منذ عام 2022، وإجبار القوات الأوكرانية على التراجع لمسافة تصل إلى 70 كيلومتراً نحو مناطق يصعب الدفاع عنها.
تداعيات كارثية
وقال بافلو ناروژني، المحلل العسكري ورئيس منظمة "بوست التفاعلية" التي تدعم وحدات المدفعية: "سيكون ذلك كارثة".
وأضاف أن الجيش الروسي سيتمكن فوراً من إسقاط قنابل انزلاقية على منطقة دنيبروبتروفسك وتهديد المركز الصناعي لزابوروجيا من الشرق والجنوب في آن واحد.
الجزء الأكثر أهمية من المنطقة التي لا تزال أوكرانيا تسيطر عليها يتكوّن من شريط عمراني شبه متصل يمتد لمسافة نحو 45 كيلومتراً في شمال دونباس ويشمل مناطق من دونيتسك ولوغانسك.
وتشكل أربع مدن إضافة إلى بلدات وقرى أصغر حزاماً دفاعياً محصناً تحيط به تلال وحقول تنتشر فيها خنادق مضادة للدبابات وألغام أرضية.
كما يضم مركز كراماتورسك، العاصمة الفعلية لدونباس الخاضع للسيطرة الأوكرانية، منطقة صناعية مترامية الأطراف مليئة بالأنفاق والمصانع ذات الطوابق المتاهية.
وكان عدد سكان سلوفيانسك وكراماتورسك وكوستيانتينيفكا، وهي المدن الثلاث الرئيسية في الحزام الدفاعي، يتجاوز 300 ألف نسمة قبل الحرب. وقد انخفض هذا العدد بشكل حاد منذ عام 2022، لكن نحو 100 ألف شخص ما زالوا يعيشون هناك، وفقاً لمسؤولين محليين.
مراكز لوجستية
وأصبحت كراماتورسك على مدى سنوات مركزاً لوجستياً رئيسياً للجيش في شرق أوكرانيا. وعلى الرغم من أنها تبعد الآن 20 كيلومتراً فقط عن أقرب مواقع روسية، ما زالت القطارات اليومية تربطها بكييف ومدن أوكرانية أخرى. كما تدفق إليها سكان البلدات القريبة التي اجتاحتها المعارك.
جنوب كوستيانتينيفكا، الطرف الجنوبي للحزام الدفاعي، لم تتقدم القوات الروسية سوى 11 كيلومتراً منذ بدء الهجوم عام 2022. لكن التقدم كان أكبر بكثير في مناطق أخرى، حيث استغلت موسكو نقص القوى البشرية في أوكرانيا ضمن ما وصفه قائد أوكراني مؤخراً باستراتيجية "آلاف الطعنات".
ومؤخراً نجحت القوات الروسية في تنفيذ توغل مفاجئ بعمق 10 كيلومترات قرب بلدة دوبروبيليا غرب كوستيانتينيفكا. ولم يتمكن القادة الأوكرانيون من إحباط الهجوم إلا عبر إرسال وحدات متمرسة.
ويخشى المحللون من أن التخلي عن الأراضي في تلك المناطق سيسمح للقوات الروسية بتهديد مزيد من التوغلات.
وقال أوليكسي ميلنيك، العقيد السابق في سلاح الجو الأوكراني والمدير المشارك لمركز رازومكوف للأبحاث في كييف: "بالنسبة لنا في أوكرانيا، الأمر واضح جداً لدرجة أننا نتفاجأ من رؤية قادة سياسيين في واشنطن لا يدركون حجم التهديد".
وأضاف أن روسيا لديها سوابق، مشيراً إلى ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 والصراع المدعوم من موسكو في دونباس، الذي استُخدم لاحقاً كمنصة لإطلاق مزيد من الهجمات.
وفي حين أعرب المسؤولون الأوروبيون عن ارتياحهم لتخلي ترامب عن حديث "تبادل الأراضي"، فإنه من غير المرجح أن يتراجع بوتين عن مطالبه القصوى.
وقال مسؤول أوروبي: "إذا حصلت أوكرانيا على ضمانات أمنية قوية، فقد تكون أكثر استعداداً للنظر في بعض التنازلات بحكم الأمر الواقع بشأن الأراضي"، ورأى أن هذا قد يكون السبب في أن الرئيس الأمريكي طرح هذه الفكرة أصلاً. لكنه أضاف أن أي قرارات من هذا النوع "تعود بالكامل إلى أوكرانيا".
وبغضّ النظر عن التداعيات العسكرية، فإن القيادة الأوكرانية ستواجه معارضة شديدة من قطاعات واسعة من المجتمع والنخب السياسية والعسكرية.