تقف سوريا التي أنهكتها الحرب على مدار أكثر من عقد، اليوم أمام منعطف خطير قد يعيدها إلى مربع الانقسام والفوضى، فالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي سيطر على دمشق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، جاء محمّلاً بوعود إصلاحية براقة، غير أنه سرعان ما اتجه نحو تركيز السلطة في يده وتهميش المكوّنات الأخرى، ما أشعل التوترات الداخلية وأعاد شبح الحرب الأهلية.

إخفاقات وعود الرئيس الشرع

وقال الكاتب والمحلل السياسي أحمد شعراوي، محلل أبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية، في مقال بموقع مجلة "ناشيونال إنترست"  إن الشرع تعهّد بتوحيد البلاد عبر تشكيل جيش وطني جامع، لكنه اصطدم سريعاً بجدار من الخلافات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية، التي تسيطر على نحو 30% من الأراضي السورية بما في ذلك حقول النفط والمخيمات التي تضم آلاف المقاتلين من تنظيم داعش.

وأضاف شعراوي أن المفاوضات التي جرت بين الطرفين بوساطة أمريكية في مارس (آذار) الماضي لم تحقق سوى نتائج محدودة، مثل تبادل الأسرى وانسحاب جزئي، فيما بقيت الملفات الجوهرية عالقة، بل إن مؤتمر باريس، الذي كان مقرراً عقده لإحياء الحوار، أُلغي في اللحظة الأخيرة بعد إقدام الشرع على فرض دستور انتقالي يمنحه صلاحيات مطلقة، من دون أي تشاور مع الأكراد أو استجابة لمطالبهم.

هواجس كردية وتوازنات القوة

وأوضح الكاتب أن الأكراد يخشون تكرار المآسي السابقة، سواء على يد بعض وحدات الجيش السوري النظامي أو عبر التدخل التركي، فأنقرة تعتبر "قسد" امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتعارض أي صيغة تمنح الأكراد حكماً ذاتياً.

تقرير: اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل برعاية ترامب - موقع 24أفادت مصادر سورية رفيعة المستوى في تصريحات خاصة لـ"إندبندنت عربية" بأن سوريا وإسرائيل ستوقعان اتفاقاً أمنياً برعاية الولايات المتحدة في الـ25 من سبتمبر (أيلول) المقبل.

وتابع شعراوي أن المطالب الكردية تتركز في الحصول على إدارة ذاتية وأمنية في شمال شرق سوريا، مع الحفاظ على استقلالهم العسكري حتى في حال دمج مقاتليهم – الذين يناهز عددهم مئة ألف – ضمن الجيش السوري، إلى جانب الإبقاء على اسمهم وهويتهم كقوات سوريا الديمقراطية، لكن الشرع رفض هذه المطالب بشدة، مصراً على خضوع المنطقة لسلطة الحكومة المركزية.

وأشار الكاتب إلى المفارقة المثيرة للجدل، إذ سمح الشرع في الوقت ذاته لميليشيات سنية متشددة، بينها الحزب التركستاني الإسلامي المرتبط بتنظيم القاعدة، بالانضمام ككتلة واحدة إلى الجيش، في حين رفض منح الأكراد الحق نفسه.

الضغط التركي وإلغاء مؤتمر باريس

وأكد شعراوي أن أي تنازل للأكراد سيشجع أقليات أخرى مثل العلويين والدروز على تقديم مطالب مماثلة، ما يهدد سيطرة الشرع الهشة على السلطة. 

إلى جانب ذلك، مارست تركيا ضغوطاً مباشرة حالت دون المضي قدماً في الحوار، إذ تشير تقارير إلى أن إلغاء مؤتمر باريس جاء بعد زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، وهو ما عُدّ إشارة واضحة إلى رفض أنقرة لأي تفاوض مستقل بين دمشق و"قسد".

اشتباكات متفرقة واحتمال انفجار واسع

وبيّن الكاتب أن المشهد الراهن ينذر بمواجهة جديدة، إذ اندلعت اشتباكات محدودة بين قوات النظام و"قسد" مطلع أغسطس (آب) الجاري، أسفرت عن قتلى وجرحى من الجانبين. 

في الوقت نفسه، واصلت تركيا تهديداتها بالتدخل عسكرياً إذا أقدم الأكراد على خطوات نحو الانفصال أو تعزيز سلطتهم المحلية، ما يجعل احتمالات الانفجار واردة في أي لحظة.

مسؤولية الولايات المتحدة

ورأى شعراوي أن الولايات المتحدة تتحمل دوراً محورياً في احتواء الأزمة. فهي مطالَبة بكبح جماح تركيا ومنعها من تقويض المفاوضات، وفي الوقت نفسه إقناع دمشق بمراجعة نهجها المركزي والإصغاء للمخاوف الكردية المشروعة. 

مستحيل..الشرع: جاهل وحالم من يدعو إلى تقسيم سوريا - موقع 24شدد الرئيس السوري الموقت أحمد الشرع، رفض فكرة التقسيم، واصفاً من يطالب بالتقسيم في سوريا بـ "سياسي جاهل، وحالم".

ودعا الكاتب واشنطن إلى ممارسة ضغوط أكبر على أنقرة لوقف خطابها التحريضي وتجنّب تأجيج الصراع.

وخلص أحمد شعراوي إلى أن سوريا تقف اليوم أمام "منعطف قاتل"، قد يعيدها إلى دائرة الحرب الأهلية إذا استمرت عقلية الإقصاء والتهميش، سواء من جانب دمشق أو عبر الضغوط التركية. ولا يمكن للبلاد أن تنجو من هذا المصير إلا من خلال حوار شامل يعترف بحقوق المكوّنات كافة، ويضع أسساً عادلة لاستقرار دائم، بعيداً عن الحسابات الضيقة والتجاذبات الإقليمية.